الآية (84-89): ﴿ وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ﴾ أي: واجعل لي ذكرًا جميلًا بعدي أُذْكَر به، ويُقْتَدَى بي في الخير. قال مجاهد وقتادة: ﴿ لِسَانَ صِدْقٍ ﴾ يعني: الثناء الحسن. قال مجاهد: وهو كقوله تعالى: ﴿ وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [النحل:122]. قال ليث بن أبي سليم: كل ملة تُحِبُّهُ وتَتَوَلَّاه. وكذا قال عكرمة.
وقوله: ﴿ وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ ﴾ أي: أَنْعِمْ عَليَّ في الدنيا ببقاء الذكر الجميل بعدي، وفي الآخرة بأن تجعلني من ورثة جنة النعيم
وقوله: ﴿ وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ ﴾ كقوله: ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ ﴾ [إبراهيم:41]، وهذا ممَّا رَجَعَ عنه إبراهيم عليه السلام، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ﴾ [التوبة:114].
وقوله: ﴿ وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ﴾ أي: أجرني من الخِزي يوم القيامة يوم يُبْعَث الخلائق أوَّلهم وآخرهم. عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «يلقى إبراهيم أباه آزَرَ يوم القيامة، وعلى وجه آزَرَ قَتَرَةٌ وغَبَرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقلْ لك: لا تَعصِني؟! فيقول أبوه: فاليوم لا أَعْصِيك. فيقول إبراهيم: يا ربِّ، إنك وَعَدْتني ألَّا تُخزيني يوم يبعثون، فأي خِزْي أخزى من أبي الأبعد؟! فيقول الله تعالى: إني حَرَّمْتُ الجنةَ على الكافرين. ثم يقول: يا إبراهيم، ما تَحتَ رجليك؟ فينظر فإذا هو بذِيْخٍ مُتَلَطِّخ، فيُؤْخَذُ بقوائمه فيُلْقَى في النار» [رواه البخاري]. والذِّيخُ: هو الذَّكَر من الضِّبَاع، كأنه حَوَّل آزر إلى صورة ذِيخ مُتَلَطِّخ بَعَذِرَته، فيُلْقَى في النار كذلك.
وقوله: ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ﴾ أي: لا يَقِي المرءَ من عذاب الله مالُه، ولو افتدى بملء الأرض ذهبًا، ﴿ وَلَا بَنُونَ ﴾ ولو افتدى بمن في الأرض جميعًا، ولا ينفعُ يومئذٍ إلا الإيمانُ بالله، وإخلاص الدين له، والتَّبَرِّي من الشرك؛ ولهذا قال: ﴿ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ أي: سالم من الدَّنَس والشِّرك. قال محمد بن سيرين: القلب السليم أن يَعلَم أن الله حقٌّ، وأن الساعة آتية لا ريبَ فيها، وأن الله يبعث من في القبور. وقال ابن عباس: يعني: يشهد أن لا إله إلا الله. وقال مجاهد والحسن وغيرهما: ﴿ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ يعني: من الشرك. وقال سعيد بن المسيب: القلب السليم: هو القلب الصحيح، وهو قلب المؤمن؛ لأن قلب الكافر والمنافق مريض. وقال أبو عثمان النيسابوري: هو القلب الخالي من البدعة، المطمئن إلى السنة.
الآية (90-104): ﴿ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ ﴾ أي: قُرِّبَتِ الجنة وأُدْنِيَتْ من أهلها مُزَخْرَفةً مزينةً لناظريها، وهم المتقون الذين رَغِبوا فيها على ما في الدنيا، وعَمِلوا لها في الدنيا. قوله: ﴿ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ ﴾ أي: أُظْهِرَتْ وكُشف عنها، وبَدَت منها عُنقٌ، فَزَفَرَتْ زَفْرَةً بَلَغَت منها القلوب الحناجر، وقيل لأهلها تقريعًا وتوبيخًا: ﴿ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿٩٢﴾ مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ ﴾؟ أي: ليست الآلهة التي عبدتموها من دون الله -من تلك الأصنام والأنداد- تُغْنِي عنكم اليوم شيئًا، ولا تَدْفَع عن أنفسها؛ فإنكم وإيَّاها اليوم ﱡﭐ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ﱠ [الأنبياء:98]. وقوله: ﴿ فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ ﴾ قال مجاهد: يعني: قد هَوَوا فيها. وقال غيره: كُبِّبُوا فيها، والكاف مكررة، والمراد: أنه أُلْقِيَ بعضهم على بعض؛ من الكفار وقادتهم الذين دعوهم إلى الشرك ﴿ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ﴾ أي: أُلقوا فيها عن آخرهم. ﴿ قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ ﴿٩٦﴾ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴿٩٧﴾ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ أي: يقول الضعفاء للذين استكبروا: ﴿ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ ﴾ [غافر:47]. ويقولون وقد عادوا على أنفسهم بالملامة: ﴿ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴿٩٧﴾ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ أي: نَجعَل أَمرَكم مطاعًا كما يُطَاع أَمْر رب العالمين، وعبدناكم مع ربِّ العالمين.
﴿ وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ ﴾ أي: ما دعانا إلى ذلك إلا المجرمون، ﴿ فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ ﴾ قال بعضهم: يعني من الملائكة. ﴿ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ﴾ أي: قريب. قال قتادة: يعلمون -والله- أن الصديق إذا كان صالحًا نَفَعَ، وأن الحميم إذا كان صالحًا شَفَع.
﴿ فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾؛ وذلك أنهم يتمنَّون أنهم يُرَدُّون إلى الدار الدنيا ليعملوا بطاعة ربهم -فيما يزعمون- وهو سبحانه وتعالى يعلم أنه لو رَدَّهُم إلى الدار الدنيا ﱡﭐ لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﱠ [الأنعام:28]. وقد أخبر تعالى عن تخاصم أهل النار في سورة «ص»، ثم قال: ﴿ إِنَّ ذَٰلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ ﴾ [ص:64].
ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ أي: إن في محاجَّة إبراهيم لقومه وإقامته الحجج عليهم في التوحيد لآيةً ودلالةً واضحةً جليَّةً على أنه لا إله إلا الله، ﴿ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿١٠٣﴾ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾.
الآية (105-110): هذا إخبار من الله عز وجل عن عبده ورسوله نوح عليه السلام، وهو أَوَّل رسول بَعَثَه الله إلى الأرض بعدما عُبِدَت الأصنام والأنداد؛ بَعَثَه الله ناهيًا عن ذلك، ومُحَذِّرًا من وَبِيْل عِقَابه، فكَذَّبه قومه واستمروا على ما هم عليه من الفِعَال الخبيثة في عبادتهم أصنامهم مع الله تعالى، ونَزَّل الله تعالى تكذيبهم له مَنْزِلة تكذيبهم جميعَ الرسل؛ ولهذا قال: ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ ﴿١٠٥﴾ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ ﴾ أي: ألا تخافون الله في عبادتكم غيره؟! ﴿ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ ﴾ من الله إليكم، ﴿ أَمِينٌ ﴾ فيما بَعَثَني به؛ أُبَلِّغُكم رسالةَ الله لا أزيد فيها ولا أُنْقِصُ منها، ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴿١٠٨﴾ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ أي: لا أطلب منكم جزاءً على نُصحِي لكم، بل أَدَّخِر ثواب ذلك عند الله. ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴾ فقد وَضَحَ لكم وبان صِدْقي ونصحي وأمانتي فيما بَعَثني الله به وائتمنني عليه.
الآية (111): يقولون: لا نُؤْمِنُ لك ولا نَتَّبِعُك، ونتأسى في ذلك بهؤلاء الأرذلين الذين اتَّبَعُوكَ وصَدَّقُوكَ، وهم أراذلنا؛ ولهذا قالوا: ﴿ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ ﴾؟!