حجم الخط:

الآيات (87-93)

الآية (87): ﴿ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أي: بسبب نُكُولِهِم عن الجهاد والخروج مع الرسول في سبيل الله، ﴿ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ أي: لا يفهمون ما فيه صلاح لهم فيفعلوه، ولا ما فيه مضرَّة لهم فيجتنبوه.

الآية (88-89): لَـمَّا ذَكر تعالى ذمَّ المنافقين، بيَّن ثناء المؤمنين، وما لهم في آخرتهم، فقال: ﴿ لَٰكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ إلى آخر الآيتين من بيان حالهم ومآلهم. ﴿ وَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ أي: في الدار الآخرة، في جنات الفردوس والدرجات العلى. ﴿ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٨٨ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿٨٩ .

الآية (90): ثم بَيَّن تعالى حال ذَوي الأعذار في ترك الجهاد، الذين جاءوا رسولَ الله يعتذرون إليه، ويبيِّنون له ما هم فيه من الضعف، وعدم القدرة على الخروج، وهم من أحياء العرب ممن حول المدينة: ﴿ وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ ، عن ابن عباس أنه كان يقرأ: «وَجَاءَ المُعْذرُون» بالتخفيف، ويقول: هم أهل العُذر. وهذا القول هو الأظهر في معنى الآية؛ لأنه قال بعد هذا: ﴿ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي: لم يأتوا فيعتذروا. قال مجاهد وغيره: ﴿ وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ قال: نفر من بني غِفَار، جاءوا فاعتذروا فلم يُعذِرْهم الله. والقول الأول أظهر والله أعلم، لِـمَا قدَّمنا من قوله بعده: ﴿ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي: وقعد آخرون من الأعراب عن المجيء للاعتذار، ثم أَوْعَدَهم بالعذاب الأليم، فقال: ﴿ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ .

الآية (91-93): ثم بيَّن تعالى الأعذار التي لا حَرَج على من قَعَد معها عن القتال: ﴿ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ فذَكَر منها ما هو لازم للشخص لا ينفكُّ عنه، وهو الضعف في التركيب الذي لا يستطيع معه الجِلَاد في الجهاد، ومنه العمى والعَرَج ونحوهما، ولهذا بَدَأَ به. ومنها ما هو عارض بسبب مرض عَنَّ له في بدنه، شَغَلَه عن الخروج في سبيل الله، أو بسبب فقره لا يقدر على التَّجَهُّزِ للحرب، فليس على هؤلاء حَرَج إذا قعدوا ونصحوا في حال قعودهم، ولم يُرْجِفُوا بالناس ولم يُثَبِّطوهم، وهم مُحسِنون في حالهم هذا؛ ولهذا قال: ﴿ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ .

﴿ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ [سبب النزول]: قال ابن عباس في هذه الآية: وذلك أن رسول الله أمرَ الناس أن ينبعثوا غازين معه، فجاءته عصابة من أصحابه فيهم عبد الله بن مُغَفَّل المزني، فقالوا: يا رسول الله، احملنا. فقال لهم: «والله لا أجد ما أحملكم عليه». فتولَّوا ولهم بكاء، وعَزَّ عليهم أن يجلسوا عن الجهاد، ولا يجدون نفقةً ولا مَحْمَلًا، فلمَّا رأى الله حِرْصَهم على محبَّته ومحبة رسوله أنزل عُذرهم في كتابه، فقال: ﴿ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إلى قوله تعالى: ﴿ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ .

وقال ابن إسحاق: إن رجالًا من المسلمين أتوا رسول الله ، وهم البكَّاؤون، وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم، من بني عمرو ابن عوف: سالم بن عُمَير، وعُلْبَةُ بنُ زَيْدٍ أخو بني حارثة، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب، أخو بني مازن بن النَّجار، وعمرو بن الْـحُمَامِ ابن الجموح أخو بني سَلِمة، وعبد الله بن المُغَفَّل المزني؛ وهَرَمِيُّ بن عبد الله، أخو بني واقف، وعِرْباض بن سارية الفزاري، فاستحملوا رسول الله ، وكانوا أهل حاجة، فقال: «لا أجد ما أحملكم عليه» فتولَّوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألَّا يجدوا ما ينفقون.

وعن الحسن قال: قال رسول الله : «لقد خلَّفتُم بالمدينة أقوامًا، ما أنفقتُم من نفقة ولا قطعتم واديًا، ولا نِلتُم من عدو نَيلًا إلا وقد شَركوكم في الأجر»، ثم قرأ: ﴿ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ الآية. وأصل الحديث في الصحيحين: أن رسول الله قال: «إن بالمدينة أقوامًا ما قطعتم واديًا، ولا سِرتم مسيرًا إلا وَهُمْ معكم». قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: «نعم، حبَسَهم العذر». وعن جابر قال: قال رسول الله : «لقد خلَّفتم بالمدينة رجالًا، ما قطعتم واديًا، ولا سلكتم طريقًا إلا شَركوكم في الأجر، حبَسَهم المرض» [رواه مسلم].

﴿ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ ۚ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ ردَّ تعالى الملامة على الذين يستأذنون في القعود وهم أغنياء، وأنَّبَهُم في رضاهم بأن يكونوا مع النساء الخوالف في الرحال، ﴿ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ .