الآية (88-89): ﴿ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا ﴾ أي: الضُّلَّال منهم، الذين افتتنوا بالعجل وعبدوه: ﴿ هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ ﴾ أي: نَسيَهُ ههنا، وذَهَبَ يَتَطَلَّبُه. وبه قال مجاهد. وقال سِماك عن عكرمة عن ابن عباس: ﴿ فَنَسِيَ ﴾ أي: نسي أن يُذَكِّرَكُم أن هذا إلهكم. وقال ابن عباس: فقالوا: ﴿ هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ ﴾ قال: فعَكَفوا عليه وأحبُّوه حُبًّا لم يُحِبُّوا شيئًا قطُّ يعني مثله، يقول الله: ﴿ فَنَسِيَ ﴾ أي: تَرَكَ ما كان عليه من الإسلام يعني: السَّامِرِي. قال الله تعالى رَدًّا عليهم، وتقريعًا لهم، وبيانًا لفضيحتهم وسَخَافة عقولهم فيما ذَهَبوا إليه: ﴿ أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ﴾ أي: العجل: ﴿ أَفَلَا يَرَوْنَ ﴾ أنه لا يجيبهم إذا سألوه، ولا إذا خاطبوه، ﴿ وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ﴾ أي: في دنياهم ولا في أُخرَاهم. قال ابن عباس: لا والله ما كان خُوَارُه إلا أن يدخل الريح في دُبُره فيخرج من فِيْه، فيُسْمَع له صوت.
وحاصل ما اعتذر به هؤلاء الجهلة أنهم تَوَرَّعُوا عن زينة الْقِبْطِ، فأَلقَوْها عنهم، وعَبَدُوا العِجْل. فتَوَرَّعُوا عن الحقير وفَعَلوا الأمر الكبير، كما جاء عن ابن عمر: أنه سأله رجل من أهل العراق عن دَمِ البعوض إذا أصاب الثوب -يعني: هل يُصَلِّي فيه أم لا؟- فقال ابن عمر -رضي الله عنهما-: انظروا إلى أهل العراق، قتلوا ابن بنت رسول الله ﷺ -يعني: الحسين- وهم يسألون عن دم البعوض! [رواه البخاري].
الآية (90-91): يخبر تعالى عمَّا كان من نَهْي هارون عليه السلام لهم عن عبادة العِجْل، وإخباره إيَّاهم: إنما هذا فتنة لكم ﴿ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَٰنُ ﴾ الذي خَلَق كل شيء فقدَّره تقديرًا، ذو العرش المجيد، الفعال لِـمَا يُريد، ﴿ فَاتَّبِعُونِي ﴾ أي: فيما آمركم به، واتركوا ما أنهاكم عنه. ﴿ قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ ﴾ أي: لا نترك عبادته حتى نَسْمَعَ كلام موسى فيه. وخالفوا هارون في ذلك وحاربوه، وكادوا أن يقتلوه!
الآية (92-94): يخبر تعالى عن موسى عليه السلام حين رَجَعَ إلى قومه، فرَأَى ما قد حَدَث فيهم من الأمر العظيم، فامتلأ عند ذلك غَضَبًا، وألقى ما كان في يده من الألواح الإلهية، وأَخَذَ برأس أخيه يَجُرُّهُ إليه، وقد قدَّمنا في «الأعراف» بَسْطَ ذلك. وشَرَعَ يلوم أخاه هارون فقال: ﴿ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ﴿٩٢﴾ أَلَّا تَتَّبِعَنِ ﴾ أي: فتخبرني بهذا الأمر أوَّل ما وَقَعَ.
﴿ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ﴾ أي: فيما كنت تَقَدَّمت إليك، وهو قوله: ﴿ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [الأعراف:142].
﴿ قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ ﴾ تَرَفَّقَ له بِذِكْرِ الأم مع أنه شقيقه لأبويه؛ لأن ذِكْر الأم ههنا أَرَقُّ وأَبْلَغُ، أي: في الـحُنُوِّ والعَطْف؛ ولهذا قال: ﴿ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ﴾ الآية. هذا اعتذار من هارون عند موسى في سبب تأخره عنه، حيث لم يلحقه فيخبره بما كان من هذا الخطب الجسيم قال: ﴿ إِنِّي خَشِيتُ ﴾ أن أَتْبَعَكَ فَأُخْبِرَكَ بهذا، فتقول لي: لِـمَ تَرَكْتَهم وحدهم وفَرَّقْتَ بينهم؟! ﴿ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ﴾ أي: وما راعيتَ ما أمَرْتُكَ به حيث استخلفْتُك فيهم. قال ابن عباس: وكان هارون هائبًا له مطيعًا.
الآية (95-98): يقول موسى عليه السلام للسَّامِرِيِّ: ما حَمَلَك على ما صَنَعْتَ؟ وما الذي عَرَضَ لك حتى فَعَلْتَ ما فَعَلْتَ؟ ﴿ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ ﴾ أي: رأيتُ جبريلَ حين جاء لهلاك فرعون، ﴿ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ﴾ أي: من أَثَرِ فَرَسِه. وهذا هو المشهور عند كثير من المفسرين أو أكثرهم. ولهذا قال: ﴿ فَنَبَذْتُهَا ﴾ أي: ألقيتها مع من ألقى، ﴿ وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ﴾ أي: حَسَّنَتْهُ وأَعْجَبَهَا إذ ذاك.
﴿ قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ ﴾ أي: كما أَخَذْتَ ومَسَسْتَ ما لم يكن لك أَخْذُهُ وَمَسُّهُ من أثر الرسول، فعقوبتك في الدنيا أن تقول: «لا مساس» أي: لا تُمَاسُّ الناسَ ولا يَمَسُّونَكَ.
﴿ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا ﴾ أي: يوم القيامة ﴿ لَنْ تُخْلَفَهُ ﴾ أي: لا مَحِيدَ لك عنه. وقال قتادة: ﴿ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ ﴾ قال: عقوبةً لهم، وبقاياهم اليوم يقولون: لا مساس. وقوله: ﴿ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ ﴾ قال الحسن وقتادة وأبو نهِيك: لن تَغِيب عنه.
وقوله: ﴿ وَانْظُرْ إِلَىٰ إِلَٰهِكَ ﴾ أي: مَعْبُودِكَ ﴿ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ﴾ أي: أَقَمْتَ على عبادته، يعني: العجل، ﴿ لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا إِلَٰهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ يقول لهم موسى عليه السلام: ليس هذا إلهكم، ﴿ إِنَّمَا إِلَٰهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ﴾ أي: لا يستحقُّ ذلك على العباد إلا هو، ولا تنبغي العبادة إلا له، فإن كل شيء فقير إليه، عبدٌ له.
وقوله: ﴿ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ أي: هو عالم بكل شيء، ﴿ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ [الطلاق:12]، ﴿ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ﴾ [الجن:28]، فـ ﴿ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ ﴾ [سبأ:3]، ﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [الأنعام:59]، ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [هود:6].
والآيات في هذا كثيرة جدًّا.