حجم الخط:

الآيات (9-18)

الآية (9-11): ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ أي: ولو أنزلنا مع الرسول البَشَرِيّ ملكًا، أي: لو بعثنا إلى البشر رسولًا ملكيًّا، لكان على هيئة رجل لتُفْهَم مخاطبته والانتفاع بالأخذ عنه، ولو كان كذلك لالتبس عليهم الأمر، كما يلبسون على أنفسهم في قبول رسالة البَشَرِيّ، كما قال: ﴿ قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا [الإسراء:95]، فمن رحمة الله تعالى بخلقه أنه يُرسل إلى كل صنف من الخلائق رسلًا منهم[1]، ليدعو بعضهم بعضًا، وليمكن بعضهم أن ينتفع ببعض في المخاطبة والسؤال؛ كما قال تعالى: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ الآية [آل عمران:164]. قال ابن عباس: يقول: لو أتاهم ملَكٌ ما أتاهم إلا في صورة رجل؛ لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة ﴿ وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ أي: ولخلطنا عليهم ما يخلطون.

وقوله: ﴿ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ هذا تسلية لرسوله محمد في تكذيب من كذَّبه من قومه، ووعد له وللمؤمنين به بالنصرة والعاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة. ثم قال: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ أي: فكِّروا في أنفسكم، وانظروا ما أحلَّ الله بالقرون الماضية الذين كذَّبوا رسله وعاندوهم من العذاب والنكال، والعقوبة في الدنيا، مع ما ادَّخَر لهم من العذاب الأليم في الآخرة، وكيف نَجَّى رسله وعباده المؤمنين.

الآية (12-16): يُخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض ومن فيهن، وأنه قد كَتَب على نفسه المقدسة الرحمة، كما ثبت عن أبي هريرة قال: قال النبي : «إن الله لما خَلَقَ الخَلْق كتب كتابًا عنده فوق العرش: إن رحمتي تَغْلِبُ غَضَبِي» [متفق عليه].

وقوله: ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ هذه اللام هي الموطِّئة للقسم، فأقسم بنفسه الكريمة لَيَجْمَعَنَّ عباده لِـميقات يوم معلوم، وهو يوم القيامة، الذي لا ريب فيه ولا شك فيه عند عباده المؤمنين، فأما الجاحدون المكذِّبون فهم في رَيبهم يتردَّدون. وقوله: ﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ أي: يوم القيامة ﴿ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ أي: لا يصدِّقون بالمعاد، ولا يخافون شر ذلك اليوم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أي: كل دابة في السموات والأرض؛ الجميع عباده وخلقه، وتحت قهره وتصرفه وتدبيره، لا إله إلا هو، ﴿ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ أي: السميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وضمائرهم وسرائرهم.

ثم قال لعبده ورسوله محمد ، الذي بعثه بالتوحيد العظيم والشرع القويم، وأمره أن يدعو الناس إلى صراطه المستقيم: ﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كما قال: ﴿ قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ [الزمر:64]، والمعنى: لا أتخذ وليًّا إلا الله وحده لا شريك له؛ فإنه فاطر السموات والأرض؛ أي: خالقهما ومُبدعهما على غير مثال سَبَق. ﴿ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ أي: وهو الرزاق لخلقه من غير احتياج إليهم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴿٥٦ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ﴿٥٧ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56-58].

وعن أبي هريرة قال: دعا رجل من الأنصار من أهل قباء النبي ، قال: فانطلقنا معه، فلما طَعِمَ النبيُّ وغسل يديه قال: «الحمد لله الذي يُطعِم ولا يطْعَم، ومَنَّ علينا فهدانا، وأطعمنا وسَقانا، وكُلّ بَلاء حَسَن أبلانا، الحمد لله غير مُودَّع ولا مُكافَأ، ولا مكفور ولا مُسْتَغْنًى عنه، الحمد لله الذي أطعمنا من الطعام، وسقانا من الشراب، وكسانا من العُري، وهدانا من الضلال، وبَصَّرنا من العَمَى، وفَضَّلنا على كثير ممن خَلَقَ تفضيلًا، الحمد لله ربِّ العالمين» [رواه النسائي في الكبرى والحاكم، وصحح إسناده أحمد شاكر]. ﴿ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ۖ أي: من هذه الأمة ﴿ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ .

﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ يعني: يوم القيامة. ﴿ مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يعني: العذاب ﴿ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ يعني: فقد رحمه الله، ﴿ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ كما قال: ﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185]، والفوز: هو حصول الربح ونفي الخسارة.

الآية (17-18): يقول تعالى مُخبرًا أنه مالك الضرِّ والنفع، وأنه المتصرِّف في خلقه بما يشاء، لا مُعَقِّب لحكمه، ولا رَادَّ لقضائه: ﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ كما قال: ﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ۚ الآية [فاطر:2]، وفي الصحيح أن رسول الله كان يقول: «اللهم لا مانع لِـما أَعْطَيْت، ولا معطِيَ لما مَنَعْتَ، ولا ينفع ذا الجَدّ منك الجَدّ» [ متفق عليه]؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ أي: هو الذي خضعت له الرقاب، وذلَّت له الجبابرة، وعنَت له الوجوه، وقَهَر كلَّ شيء، ودانت له الخلائق، وتَوَاضَعت لعظمةِ جلاله وكبريائه وعظمته وعلوِّه وقدرته الأشياء، واستكانت وتضاءلت بين يديه وتحت حُكمه وقهره. ﴿ وَهُوَ الْحَكِيمُ أي: في جميع ما يفعله ﴿ الْخَبِيرُ بمواضع الأشياء ومحالِّـها، فلا يُعطِي إلا لمن يستحق، ولا يَمنع إلا من يستحق.