حجم الخط:

الآيات (9-35)

الآية (9-10): ﴿ وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ قُرئ بكسر القاف، أي: ومن عنده في زمانه من أتباعه من كفار القبط. وقرأ آخرون بفتحها، أي: ومن قبله من الأمم المشبهين له. ﴿ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ وهم المكذبون بالرسل ﴿ بِالْخَاطِئَةِ أي: بالفعلة الخاطئة، وهي التكذيب بما أنزل الله. قال الربيع: ﴿ بِالْخَاطِئَةِ أي: بالمعصية. وقال مجاهد: بالخطايا. ولهذا قال: ﴿ فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ وهذا جنس، أي: كُلٌّ كذّبَ رسول الله إليهم؛ كما قال: ﴿ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ [ق:14]. ومن كذَّب رسول الله فقد كذَّب بالجميع؛ كما قال: ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:105]، ﴿ [الشعراء: 123]، ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: 141]، وإنما جاء إلى كل أمة رسول واحد. ﴿ فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً أي: عظيمة شديدة أليمة. قال مجاهد: شديدة. وقال السُّدي: مهلكة.

الآية (11-12): ﴿ إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ أي: زاد على الحد بإذن الله وارتفع على الوجود. قال ابن عباس: ﴿ طَغَى الْمَاءُ كثر؛ وذلك بسبب دعوة نوح عليه السلام على قومه حين كذبوه وخالفوه، فعبدوا غير الله فاستجاب الله له، وعَمَّ أهل الأرض بالطوفان إلا من كان مع نوح في السفينة، فالناس كلهم من سلالة نوح وذريته. ولهذا قال ممتنًا على الناس: ﴿ إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ وهي السفينة الجارية على وجه الماء. ﴿ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً أي: وأبقينا لكم من جنسها ما تركبون على تيار الماء في البحار، وقال قتادة: أبقى الله السفينة حتى أدركها أوائل هذه الأمة. والأول أظهر؛ ولهذا قال: ﴿ وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ أي: وتفهم هذه النعمة، وتذكرها أذن واعية. قال ابن عباس: حافظة سامعة. وقال قتادة: عقلَت عن الله فانتفعت بما سمعت من كتاب الله. وقال الضحاك: سمعتها أذن ووعت. أي: من له سمع صحيح وعقل رجيح. وهذا عام فيمن فهم ووعى.

الآية (13-17): يقول تعالى مخبرًا عن أهوال يوم القيامة، وأول[1] ذلك نفخة الفزع، ثم يعقبها نفخة الصعق حين يُصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم بعدها نفخة القيام لرب العالمين والبعث والنشور، وهي هذه النفخة. وقد أكّدها ههنا بأنها واحدة؛ لأن أمر الله لا يُخالَف ولا يُمانَع، ولا يحتاج إلى تكرار وتأكيد؛ ولهذا قال ههنا: ﴿ وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً أي: فمُدَّت مَدّ الأديم العُكَاظي، وتَبَدّلت الأرض غير الأرض، ﴿ فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ أي: قامت القيامة. ﴿ وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ قال ابن جريج: هي كقوله: ﴿ وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا [النبأ:19]. وقال ابن عباس: منخرقة، والعرش بحذائها. ﴿ وَالْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَائِهَا الملك: اسم جنس، أي: الملائكة على أرجاء السماء. قال ابن عباس: على حافتها. وقال الضحاك: أطرافها. وقال الحسن البصري: أبوابها. ﴿ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ أي: يوم القيامة يحمل العرش ثمانية من الملائكة. ويحتمل أن يكون المراد بهذا العرش العرش العظيم، أو: العرش الذي يوضع في الأرض يوم القيامة لفصل القضاء، والله أعلم بالصواب. وعن جابر قال: قال رسول الله : «أُذنَ لي أن أحدثكم عن ملك من حَمَلة العرش: بُعْدُ ما بين شحمة أذنه وعنقه مخْفَق الطير سبعمائة عام» وهذا إسناد جيد رجاله كلهم ثقات، وقد رواه أبو داود. [صححه الألباني].

الآية (18): ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنْكُمْ خَافِيَةٌ أي: تعرضون على عالم السر والنجوى الذي لا يخفى عليه شيء من أموركم، بل هو عالم بالظواهر والسرائر والضمائر.

الآية (19-24): يخبر تعالى عن سعادة من أوتي كتابه يوم القيامة بيمينه، وفرحه بذلك، وأنه من شدة فرحه يقول لكل من لقيه: ﴿ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ أي: خذوا اقرؤوا كتابيه؛ لأنه يعلم أن الذي فيه خير وحسنات محضة؛ لأنه ممن بَدّل الله سيئاته حسنات. ﴿ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ أي: قد كنت موقنًا في الدنيا أن هذا اليوم كائن لا محالة؛ كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ [البقرة:46]. ﴿ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ أي: مرضية، ﴿ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ أي: رفيعة قصورها، حسان حورها، نعيمة دورها، دائم حبورها. وقد ثبت في الصحيح: «إن الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض» [متفق عليه]. ﴿ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ قال البراء بن عازب: أي: قريبة، يتناولها أحدهم وهو نائم على سريره. ﴿ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ أي: يقال لهم ذلك؛ تفضلًا عليهم، وامتنانًا وإنعامًا وإحسانًا. وإلا فقد ثبت عن رسول الله أنه قال: «اعملوا وَسَدِّدوا وقَاربُوا واعلموا أن أحدًا منكم لن يُدخلَه عملُه الجنةَ». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: «ولا أنا، إلا أن يَتَغَمَّدني الله برحمة منه وفضل» [متفق عليه].

الآية (25-34): هذا إخبار عن حال الأشقياء إذا أُعطي أحدهم كتابه في العَرَصات بشماله، فحينئذ يندم غاية الندم: ﴿ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ ﴿٢٥ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ ﴿٢٦ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ . قال الضحاك: يعني موتة لا حياة بعدها. وقال قتادة: تمنى الموت، ولم يكن شيء في الدنيا أكره إليه منه. ﴿ مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ ۜ ﴿٢٨ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ أي: لم يدفع عني مالي ولا جاهي عذابَ الله وبَأسه، بل خَلَص الأمر إليَّ وحدي، فلا معين لي ولا مجير. فعندها يقول الله عز وجل: ﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ﴿٣٠ ثُمَّ أي: يأمر الزبانية أن تأخذه عُنْفًا من المحشـر، فَتَغُلَّه، أي: تضع الأغلال في عنقه، ثم تُورده إلى جهنم فتصليه إياها، أي: تغمره فيها. ﴿ عن ابن عباس وابن جريج: بذراع الملك. وقال ابن عباس: ﴿ تدخل في استه ثم تخرج من فيه، ثم ينظمون فيها كما ينظم الجراد في العود حين يشوى، عن عبد الله بن عمرِو، قال: قال رسول الله : «لو أَنَّ رَصَاصةً مثل هذه -وأشار إلى مثل جُمْجُمَةٍ- أُرْسلَتْ من السماء إلى الأرض، وهي مَسيرةُ خَمسمائة سنة، لَبَلَغَت الأرضَ قبلَ الَّليل، ولو أَنها أرسلتْ من رأس السِّلْسلَة، لَسَارَتْ أَربعين خريفًا، الليلَ والنهارَ، قبلَ أَن تبلغ أَصْلَها، أو قَعْرَهَا» [رواه أحمد وصحح إسناده أحمد شاكر]. ﴿ أي: لا يقوم بحق الله عليه من طاعته وعبادته، ولا ينفع خلقه ويؤدي حقهم؛ فإن لله على العباد أن يوحدوه ولا يشـركوا به شيئًا، وللعباد بعضهم على بعض حقّ الإحسان والمعاونة على البر والتقوى؛ ولهذا أمر الله بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وقُبض النبي وهو يقول: «الصلاة، وما ملكت أيمانكم» [رواه أحمد وأبو داود، وصحح إسناده أحمد شاكر].

الآية (35): ﴿ فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ أي: ليس له اليوم من ينقذه من عذاب الله، لا حميم -وهو القريب- ولا شفيع يطاع.