الآية (90): ﴿ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ ﴾، وهو الإعلام بأنه لا إله إلا الله، وأقَمنا الأدلة الصحيحة الواضحة القاطعة على ذلك.
﴿ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ أي: في عبادتهم مع الله غيره، ولا دليل لهم على ذلك؛ فالمشركون لا يفعلون ذلك عن دليل قادَهم إلى ما هم فيه من الإفك والضلال، وإنما يفعلون ذلك اتباعًا لآبائهم وأسلافهم الحيارى الجهال؛ كما قالوا: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ﴾ [الزخرف:23].
الآية (91-92): يُنَزِّه تعالى نفسه عن أن يكون له وَلَد أو شريك في الـمُلْكِ والتصرف والعبادة، فقال: ﴿ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ ۚ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ أي: لو قُدِّر تَعدُّد الآلهة لانفَرد كل منهم بما يَخلق، فما كان ينتظم الوجود. والمشاهَد أن الوجود منتظم مُتَّسِقٌ؛ كلٌّ من العالم العلوي والسفلي مرتبطٌ بعضُه ببعض في غاية الكمال، ﴿ مَا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِنْ تَفَاوُتٍ ﴾ [الملك:3]، ثم لكان كل منهم يَطلُب قَهْر الآخر وخلافَهُ، فيَعْلُو بعضهم على بعض؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ أي: عمَّا يقول الظالمون الـمُعْتَدُون في دعواهم الولد أو الشريك علوًّا كبيرًا. ﴿ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ﴾ أي: يَعلَم ما يغيب عن المخلوقات وما يشاهدونه، ﴿ فَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ أي: تقدَّس وتنزَّه وتعالى وعز وجل عمَّا يقول الظالمون والجاحدون.
الآية (93-98): يقول تعالى آمرًا نبيَّه محمدًا ﷺ أن يدعو هذا الدعاء عند حلول النِّقَم: ﴿ قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ ﴾ أي: إنْ عاقبتَهُم -وإني شَاهِدٌ ذلك- فلا تجعلني فيهم؛ كما جاء في الحديث: «وإذا أَرَدْتَ بقوم فتنةً فَتَوَفَّنِي إليك غير مفتون» [رواه أحمد والترمذي، وصحح إسناده أحمد شاكر]. وقوله: ﴿ وَإِنَّا عَلَىٰ أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ ﴾ أي: لو شِئنا لأَرينَاك ما نُحِلُّ بهم من النِّقَم والبلاء والـمِحَنِ. ثم قال مرشدًا له إلى التِّرْياق النافع في مخالطة الناس؛ وهو الإحسان إلى من يُسِيء لِيَستَجْلِبَ خاطره، فتَعُوْد عداوتُه صَدَاقةً وبُغضُه مَحبةً، فقال: ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ ۚ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ﴾، كما قال: ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴿٣٤﴾ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا ﴾ [فصلت:34-35] أي ما يُلْهَم هذه الوصية أو الـخَصْلَةُ أو الصِّفة ﴿ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا ﴾ [فصلت:34] أي: على أذى الناس، فعاملوهم بالجميل مع إسدائهم إليهم القبيح، ﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ [فصلت:35] أي: في الدنيا والآخرة.
وقوله: ﴿ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ ﴾ أَمَرَهُ أن يستعيذ من الشياطين؛ لأنهم لا تنفع معهم الحِيَل، ولا ينقادون بالمعروف.
وقوله: ﴿ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ﴾ أي: في شيء من أمري؛ ولهذا أَمَرَ بذكر الله في ابتداء الأمور؛ وذلك لطَرْد الشيطان عند الأكل والجماع والذَّبح، وغير ذلك من الأمور.
الآية (99-100): يُخبر تعالى عن حال الـمُحتَضِر عند الموت، من الكافرين أو الـمُفْرِّطِين في أَمْر الله تعالى، وقِيْلهم عند ذلك، وسؤالهم الرجعة إلى الدنيا، ليُصلح ما كان أَفْسَدَه في مدة حياته؛ ولهذا قال: ﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ ﴿٩٩﴾ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ كما قال تعالى: ﴿ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [المنافقون:10-11]. فذكر تعالى أنهم يسألون الرجعة فلا يجابون: عند الاحتضار، ويوم النشور، ووقت العرض على الجبار، وحين يعرضون على النار، وهم في غمرات عذاب الجحيم.
﴿ كَلَّا ﴾ حرف رَدْعٍ وَزَجْرٍ، أي: لا نُجِيبه إلى ما طَلَب ولا نَقبَل منه. وقوله: ﴿ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ﴾ قال ابن أسلم: أي لا بدَّ أن يقولها -لا محالةَ- كلُّ مُحتَضِر ظالم. ويحتمل أن يكون ذلك علةً لقوله: ﴿ كَلَّا ﴾ أي: لأنها كلمة، أي: سؤاله الرجوع ليعمل صالحًا هو كلام منه، وقولٌ لا عَمَلَ معه، ولو رُدَّ لَـمَا عَمِل صالحًا، ولكان يَكذِب في مقالته هذه؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ [الأنعام:28]. وقال قتادة: والله ما تمنَّى أن يَرجِع إلى أهل ولا إلى عَشيرة، ولكن تمنَّى أن يَرجِع فيَعمَل بطاعة الله، فرَحِمَ الله امرأً عَمِل فيما يَتَمَنَّاه الكافر إذا رأى العذاب. وقال أبو صالح وغيره في قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ وَرَائِهِمْ ﴾ يعني: أمَامَهم. وقال مجاهد: البَرزَخ: الحاجز ما بين الدنيا والآخرة. وفي قوله: ﴿ وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ ﴾ تهديد لهؤلاء الـمُحْتَضَرِين من الظَّلَمة بعذاب البرزخ. وقوله: ﴿ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ أي: يستمرُّ به العذاب إلى يوم البَعْث.
الآية (101-104): يخبر تعالى أنه إذا نُفِخ في الصور نَفخَة النُّشور، وقام الناس من القبور ﴿ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ﴾ أي: لا تَنْفَع الأنساب يومئذٍ، ولا يَرْثِي والِدٌ لوَلَدِه، ولا يَلْوِي عليه؛ قال الله تعالى: ﴿ وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا ﴿١٠﴾ يُبَصَّرُونَهُمْ ﴾ [المعارج:10-11] أي: لا يَسأَل القريب قريبَه وهو يُبْصِرُه، ولو كان عليه من الأوزار ما قد أَثقَلَ ظهره، وهو كان أَعَزَّ الناس عليه في الدنيا، ما التفتَ إليه ولا حَمَل عنه وَزْنَ جناح بعوضة؛ قال الله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ﴿٣٤﴾ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ﴿٣٥﴾ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ﴾ الآيات [عبس:34-36]. وعن المسور بن مخرمة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: فاطمة بَضعة مني؛ يقبضني ما يقبضها، ويبسطني ما يبسطها، وإن الأنساب تنقطع يوم القيامة غير نسبي وسببي وصهري». [رواه أحمد، وصححه الألباني]
وقوله: ﴿ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ﴾ أي: من رَجَحَت حسناته على سيئاته ولو بواحدة، قاله ابن عباس. ﴿ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ أي: الذين فازُوا فنَجَوا من النار وأُدخِلُوا الجنة. وقال ابن عباس: أولئك الذين فازوا بما طَلَبوا، ونَجَوا من شرِّ ما منه هَرَبوا.
﴿ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ﴾ أي: ثَقُلَتْ سَيِّئاته على حسناته ﴿ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾ أي: خابوا وهَلَكوا، وباؤوا بالصفقة الخاسرة؛ ولهذا قال: ﴿ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ﴾ أي: ماكثون، دائمون مُقيمون لا يَظْعَنون. ﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ﴾ [الأنبياء:39].
وقوله: ﴿ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ﴾، قال ابن عباس: يعني عابسون. وقال ابن مسعود: ألم تَرَ إلى الرأس المُشَيَّط[1] الذي قد بَدَا أسنانه وقَلُصَتْ شفتاه.