الآية (91-93): قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ وهذا تهديد وترهيب. وقد ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطاب أنه قال في خطبته على منبر رسول الله ﷺ: «أيها الناس، إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمر ما خامر العقل». وعن ابن عباس قال: كان لرسول الله ﷺ صديق من ثقيف -أو من دوس- فلقيه يوم الفتح براوية خمر يهديها إليه، فقال رسول الله ﷺ: «يا فلان، أما علمت أن الله حرمها؟» فأقبل الرجل على غلامه فقال: اذهب فبعها. فقال رسول الله ﷺ: «يا فلان، بماذا أمرته؟» فقال: أمرته أن يبيعها. قال: «إن الذي حرم شربها حرم بيعها». فأمر بها فأفرغت في البطحاء. [رواه بمعناه مسلم وأحمد]. وعن أنس قال: كنت ساقي القوم يوم حُرِّمت الخمر في بيت أبي طلحة، وما شرابهم إلا الفضيخ: البسر والتمر، فإذا مناد ينادي، قال: اخرج فانظر. فإذا مناد ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت، فجرت في سكك المدينة، قال: فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها. فهرقتها، فقالوا -أو قال بعضهم-: قتل فلان وفلان وهي في بطونهم. قال: فأنزل الله: ﴿ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا ﴾ الآية. [متفق عليه].
الآية (94-95): قال ابن عباس: قوله: ﴿ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ ﴾ قال: هو الضعيف من الصيد وصغيره، يبتلي الله به عباده في إحرامهم، حتى لو شاؤوا يتناولونه بأيديهم. فنهاهم الله أن يقربوه. وقال مجاهد: ﴿ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ ﴾ يعني: صغار الصيد وفراخه ﴿ وَرِمَاحُكُمْ ﴾ يعني: كباره. ﴿ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ ﴾ يعني: أنه تعالى يبتليهم بالصيد يغشاهم في رحالهم، يتمكنون من أخذه بالأيدي والرماح سرًّا وجهرًا، لتظهر طاعة من يطيع منهم في سِرِّه وجهره؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ [الملك:12]. وقوله ههنا: ﴿ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ ﴾ قال السُّدي وغيره: يعني بعد هذا الإعلام والإنذار والتقدم ﴿ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ أي: لمخالفته أمر الله وشرعه. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ وهذا تحريم منه تعالى لقتل الصيد في حال الإحرام، ونهي عن تعاطيه فيه. ﴿ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ﴾ الذي عليه الجمهور: أن العامد والناسي سواء في وجوب الجزاء عليه. وقال الزهري: دلَّ الكتاب على العامد، وجَرَت السنة على الناسي، ومعنى هذا: أن القرآن دلَّ على وجوب الجزاء على المتعمد وعلى تأثيمه بقوله: ﴿ لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ۗ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۚ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ﴾، وجاءت السنّة من أحكام النبي ﷺ وأحكام أصحابه بوجوب الجزاء في الخطأ، كما دلَّ الكتاب عليه في العَمْد، وأيضًا فإن قتل الصيد إتلاف، والإتلاف مضمون في العمد وفي النسيان، لكن المتعمّد مأثوم، والمخطئ غير مَلُوم. وفي قوله: ﴿ فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ﴾ دليل لِـمَا ذَهَب إليه مالك، والشافعي، وأحمد، والجمهور من: وجوب الجزاء في مثل ما قتله المحرم، إذا كان له مثلٌ من الحيوان الإنسي، خلافًا لأبي حنيفة؛ حيث أوجب القيمة، سواء كان الصيد المقتول مثليًّا أو غير مثلي. والذي حكم به الصحابة في المثل أولى بالاتّباع؛ فإنهم حكموا في النعامة ببدنة، وفي بقرة الوحش ببقرة، وفي الغزال بعَنْز.
﴿ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴾ يعني: أنه يحكم بالجزاء -في المثليّ، أو بالقيمة في غير المثليّ- عدلان من المسلمين. ﴿ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ ﴾ أي: واصلًا إلى الكعبة، والمراد وصوله إلى الحرم، بأن يُذبَح هناك ويُفَرَّق لحمه على مساكين الحرم. وهذا أمر متفق عليه في هذه الصورة. ﴿ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًا ﴾ أي: إذا لم يجد المحرم مثل ما قتل من النعَم، أو لم يكن الصيد المقتول من ذوات الأمثال، أو قلنا بالتخيير بين الجزاء والإطعام والصيام؛ فيُعدَل إلى القيمة، فيُقوَّم الصيد المقتول عند مالك، وأبي حنيفة وأصحابه، وحماد، وإبراهيم. وقال الشافعي: يُقوَّم مثله من النَّعَم لو كان موجودًا، ثم يُشترَى به طعامٌ فيُتصدَّق به. فإن لم يجد -أو قلنا بالتخيير- صام عن إطعام كل مسكين يومًا. ﴿ لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ﴾ أوجبنا عليه الكفارة ليذوق عقوبة فعله الذي ارتكب فيه المخالفة. ﴿ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ﴾ أي: في زمان الجاهلية، لمن أحسن في الإسلام واتبع شرع الله، ولم يرتكب المعصية. ثم قال: ﴿ وَمَنْ عَادَ ﴾ أي: ومن فَعَل ذلك بعد تحريمه في الإسلام وبلوغ الحكم الشرعي إليه ﴿ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ﴾ الجمهور -من السلف والخلف- على أنه متى قَتَل الـمُحْرِم الصيد وَجَبَ الجزاء، ولا فرق بين الأولى والثانية والثالثة، وإن تكرَّر ما تكرر، سواء الخطأ في ذلك والعمد. وعن ابن عباس فيمن أصاب صيدًا فحُكم عليه ثم عاد، قال: لا يحكم عليه، ينتقم الله منه. وهكذا قال شُرَيْح، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وغيرهم. ﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ﴾ قال ابن جرير: والله منيع في سلطانه لا يقهره قاهر، ولا يمنعه من الانتقام ممن انتقم منه، ولا من عقوبة من أراد عقوبته مانع؛ لأن الخلق خَلْقُه، والأمر أَمْرُه، له العزة والمنعة. وقوله: ﴿ ذُو انْتِقَامٍ ﴾ يعني: أنه ذو معاقبة لمن عصاه على معصيته إياه.