حجم الخط:

الآيات (91-99)

الآية (91-93): ﴿ عِضِينَ أي: جَزَّؤوا كتبهم المنزلة عليهم، فآمنوا ببعض وكفروا ببعض، روى البخاري عن ابن عباس: ﴿ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ قال: هم أهل الكتاب، جَزَّؤوه أجزاءً، فآمنوا ببعضه، وكفروا ببعضه. وقال ابن عمر في قوله: ﴿ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٩٢ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ قال: عن لا إله إلا الله. وكذا قال مجاهد. وقال أبو العالية: يُسأَل العباد كلُّهم عن خُلَّتين يوم القيامة، عما كانوا يعبدون، وماذا أجابوا المرسلين. وقال ابن عيينة: عن عَمَلِكَ، وعن مَالِكَ. وقال ابن عباس: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ [الرحمن:39] قال: لا يسألهم: هل عملتم كذا؟ لأنه أعلم بذلك منهم، ولكن يقول: لِمَ عملتم كذا وكذا؟

الآية (94-99): يقول تعالى آمرًا رسوله بإبلاغ ما بَعَثَه به وبإنفاذه والصَّدْع به، وهو مواجهة المشركين به، كما قال ابن عباس: ﴿ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ أي: أَمْضِهِ. وفي رواية: افعل ما تُؤْمَر. وقال مجاهد: هو الجهر بالقرآن في الصلاة.

وقوله: ﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴿٩٤ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ أي: بلِّغ ما أُنزل إليك من ربك، ولا تَلْتَفِتْ إلى المشركين الذين يريدون أن يصدُّوك عن آيات الله ﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم:9]، ولا تَخَفْهُم؛ فإن الله كافِيكَ إياهم، وحافظك منهم، كما قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67]. وقوله: ﴿ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ : تهديد شديد، ووعيد أكيد، لمن جعل مع الله معبودًا آخر. وقوله: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ﴿٩٧ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ أي: وإنا لنعلم يا محمد أنك يحصل لك من أذاهم لك انقباض وضيق صدر فلا يَهيدَنَّك[1] ذلك، ولا يَثْنِيَنَّكَ عن إبلاغك رسالةَ الله، وتَوَكَّل على الله فإنه كافيك وناصرك عليهم، فاشتغل بذِكر الله وتحميده وتسبيحه وعبادته التي هي الصلاة؛ ولهذا قال: ﴿ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ولهذا كان رسول الله إذا حَزَبَه أَمْرٌ صلَّى [رواه أحمد وأبو داود، وحسنه الألباني].

وقوله: ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ قال سالم بن عبد الله بن عمر: الموت، والدليل على ذلك قوله تعالى إخبارًا عن أهل النار أنهم قالوا: ﴿ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ﴿٤٦ حَتَّىٰ أَتَانَا الْيَقِينُ [المدثر:46-47].

ويُسْتَدَلُّ من هذه الآية الكريمة على أن العبادة كالصلاة ونحوها واجبة على الإنسان ما دام عقله ثابتًا فيصلي بحسب حاله. ويُستَدَلُّ بها على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين المعرفة، فمتى وَصَلَ أحدهم إلى المعرفة سَقَطَ عنه التكليف عندهم! وهذا كفر وضلال وجهل؛ فإن الأنبياء -عليهم السلام- كانوا هم وأصحابهم أعلم الناس بالله وأعرفهم بحقوقه وصفاته، وما يستحق من التعظيم، وكانوا مع هذا أعبد الناس وأكثر الناس عبادةً ومواظبةً على فِعْل الخيرات إلى حين الوفاة. وإنما المراد باليقين ههنا: الموت، كما قدمناه.