الآية (95): [سبب النزول]: عن البراء قال: لما نزلت: ﴿ لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ قال النبي ﷺ: «ادعُ فلانًا» فجاءه ومعه الدواة واللوح والكتف، فقال: «اكتب: لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله» وخَلْف النبي ﷺ ابن أم مكتوم، فقال: يا رسول الله، أنا ضرير؟ فنزلت مكانها: ﴿ لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [رواه البخاري].
فقوله: ﴿ لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ كان مطلقًا، فلما نزل بوحي سريع: ﴿ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ﴾ صار ذلك مخرجًا لذوي الأعذار المبيحة لترك الجهاد -من الْعَمَى والعَرَج والمرض- عن [عدم][1] مساواتهم للمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم. ثم أخبر تعالى بفضيلة المجاهدين على القاعدين، قال ابن عباس: غير أولي الضرر. وكذا ينبغي أن يكون، كما ثبت عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «إن بالمدينة أقوامًا ما سِرْتُم من مَسِير، ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه». قالوا: وهم بالمدينة يا رسول الله؟ قال: «نعم؛ حبسهم العذر» [رواه البخاري]. وقوله: ﴿ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ﴾ أي: الجنة والجزاء الجزيل. وفيه دلالة على أن الجهاد ليس بفرض عين، بل هو فرض على الكفاية.
الآية (96): ثم أخبر تعالى بما فضّلهم به من الدرجات، إحسانًا منه وتكريمًا؛ ولهذا قال: ﴿ دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾. عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ قال: «إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض» [متفق عليه].
الآية (97): [سبب النزول]: عن ابن عباس: أن ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين، يكثّرون سواد المشركين على رسول الله ﷺ، يأتي السهم يُرمى به، فيصيب أحدَهم فيقتله، أو يُضرب عنقه فيُقتل، فأنزل الله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ [رواه البخاري]. وعن ابن عباس قال: كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخْفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم، قال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأُكرهوا. فاستَغْفَروا لهم، فنزلت: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ الآية، قال: فكتب إلى من بقي من المسلمين بهذه الآية: لا عذر لهم. قال: فخرجوا، فلحقهم المشركون فأعطوهم التَّقِيَّة، فنزلت هذه الآية: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ ﴾ [البقرة:8]. [رواه ابن أبي حاتم وصحح إسناده أحمد شاكر]. فنزلت هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنًا من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه مرتكب حرامًا بالإجماع، وبنص هذه الآية: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ أي: بترك الهجرة ﴿ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ﴾ أي: لِـمَ مكثتم ههنا وتركتم الهجرة؟ ﴿ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ﴾ أي: لا نقدر على الخروج من البلد، ولا الذهاب في الأرض ﴿ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾.
عن سمرة بن جندب قال ﷺ: «من جامع المشـرك وسكن معه فإنه مثله» [رواه أبو داود، وحسنه الألباني].
الآية (98-99): ﴿ إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ ﴾ هذا عذر من الله تعالى لهؤلاء في ترك الهجرة، وذلك أنهم لا يقدرون على التخلص من أيدي المشركين، ولو قدروا ما عرفوا يسلكون الطريق، ولهذا قال: ﴿ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ﴾ قال مجاهد وعكرمة والسدي: يعني طريقًا. ﴿ فَأُولَٰئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ ﴾ أي: يتجاوز عنهم بتركهم الهجرة، و﴿ عَسَى ﴾ من الله موجبة ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا ﴾.
الآية (100): ﴿ وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ﴾ هذا تحريض على الهجرة، وترغيب في مفارقة المشركين، وأن المؤمن حيثما ذهب وجد عنهم مندوحة وملجأ يتحصن فيه، قال ابن عباس: «الـمُراغَم»: التحول من أرض إلى أرض. وقال مجاهد: يعني: مُتزحزَحًا عما يكره. والظاهر -والله أعلم- أن المراغم: هو التمنُّع الذي يُتَحصَّن به، ويراغم به الأعداء. ﴿ وَسَعَةً ﴾ يعني: الرزق.
﴿ وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾ أي: ومن خرج من منزله بنية الهجرة، فمات في أثناء الطريق، فقد حصل له عند الله ثواب من هاجر، عن عمر بن الخطاب قال: قال ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله...» [متفق عليه]. وهذا عام في الهجرة وفي كل الأعمال.
الآية (101): ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾ أي: سافرتم في البلاد. ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ ﴾ أي: تخَفّفوا فيها، إِمَّا[2] مِن كَمِّيَّتِهَا بأن تجعل الرباعية ثنائية، كما فهمه الجمهور من هذه الآية، واستدلّوا بها على قصر الصلاة في السفر، على اختلافهم في ذلك: فمن قائل: لا بد أن يكون سفر طاعة؛ لظاهر قوله: ﴿ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾. ومن قائل: لا يشترط سفر القربة، بل لا بد أن يكون مباحًا؛ لقوله: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [المائدة:3]، فما أباح له تناول الميتة مع اضطراره إلا بشرط ألا يكون عاصيًا بسفره. ومن قائل: يكفي مطلق السفر، سواء كان مباحًا أو محظورًا، حتى لو خرج لقطع الطريق وإخافة السبيل تَرَخَّص. قوله: ﴿ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ قد يكون هذا خرج مخرج الغالب حال نزول الآية؛ ففي مبدأ الإسلام بعد الهجرة كان غالب أسفارهم مخوفة، وسائر الأحيان حرب للإسلام وأهله. عن يعلى بن أمية قال: سألت عمر بن الخطاب قلت له: قوله: ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ وقد أمن الناس؟ فقال لي: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» [رواه مسلم].