الآية (98-99): ﴿ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ۖ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ﴾ وكذلك شأن المتبوعين يكونون موفرين في العذاب يوم المعاد؛ كما قال تعالى: ﴿ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَٰكِنْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف:38]. قوله: ﴿ وَأُتْبِعُوا فِي هَٰذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ ﴾ أي: أتبعناهم زيادة على ما جازيناهم من عذاب النار لعنة في هذه الحياة الدنيا. ﴿ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ ﴾ قال مجاهد: زِيدوا لعنةً يوم القيامة، فتلك لعنتان. وقال ابن عباس: لعنة الدنيا والآخرة. وكذا قال الضحاك وقتادة، وهو كقوله: ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ ﴿٤١﴾ وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ ﴾ [القصص:41-42].
الآية (100-101): لما ذكر تعالى خبر هؤلاء الأنبياء، وما جرى لهم مع أُممهم، وكيف أهلك الكافرين ونَجّى المؤمنين قال: ﴿ ذَٰلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَىٰ ﴾ أي: أخبارهم ﴿ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ ۖ مِنْهَا قَائِمٌ ﴾ أي: عامرٌ ﴿ وَحَصِيدٌ ﴾ أي: هالك. ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ﴾ أي: إذ أهلكناهم ﴿ وَلَٰكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾ بتكذيبهم رُسلنا وكُفرهم بهم ﴿ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ ﴾ أوثانهم التي كانوا يعبدونها ويدعونها ﴿ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ ما نفعوهم ولا أنقذوهم لما جاء أمر الله بإهلاكهم، ﴿ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ﴾ أي: غير تخسير؛ وذلك أن سبب هلاكهم ودَمَارهم إنما كان باتّباعهم تلك الآلهة وعبادتهم إياها، فبهذا أصابهم ما أصابهم، وخسروا بهم، في الدنيا والآخرة.
الآية (102): يقول تعالى: وكما أهلكنا أولئك القرون الظالمة المكذّبة لِرُسُلِنا كذلك نفعل ﴿ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾.
وفي الصحيحين عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ليُملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفلته»، ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿ وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾.
الآية (103-105): يقول تعالى: إن في إهلاكنا الكافرين وإنجائنا المؤمنين ﴿ لَآيَةً ﴾ أي: عِظةً واعتبارًا على صدق موعودنا في الآخرة: ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ﴾ [غافر:51]. ﴿ ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ ﴾ أي: أولهم وآخرهم، ﴿ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ﴾ أي: عظيم تحضره الملائكة، ويجتمع فيه الرسل، وتُحشر فيه الخلائق بأسرهم من الإنس والجن والطير والوحوش والدواب، ويَحكم فيه العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة، وإن تكُ حسنةً يضاعفها. ﴿ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ ﴾ أي: ما نؤخر إقامة يوم القيامة إلا أنه قد سبقت كلمة الله وقضاؤه وقدره في وجود أناس معدودين من ذرية آدم، وضرب مدة معينة إذا انقطعت وتكامل وجود أولئك المقدّر خروجُهم قامت الساعة؛ ولهذا قال: ﴿ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ ﴾ أي: لمدة مؤقتة لا يُزاد عليها ولا يُنتقَص منها. ﴿ يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾ يقول: يوم يأتي يوم القيامة، لا يتكلم أحد إلا بإذن الله؛ كقوله: ﴿ لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَقَالَ صَوَابًا ﴾ [النبأ:38]. قوله: ﴿ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ﴾ أي: فمن أهل الجمع شقي، ومنهم سعيد؛ كما قال: ﴿ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ﴾ [الشورى:7].
الآية (106-107): ثم بيَّن تعالى حال الأشقياء وحال السُّعَداء فقال: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ﴾، قال ابن عباس: الزفير في الحلق، والشهيق في الصدر، أي: تنفُّسُهم زفير، وأخذُهم النفَس شهيق، لما هم فيه من العذاب، عياذًا بالله من ذلك. قوله: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾ قال ابن جرير: من عادة العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبدًا قالت: «هذا دائم دوامَ السموات والأرض»، فخاطبهم جل ثناؤه بما يتعارفونه بينهم. قلت: ويحتمل أن المراد بـ﴿ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾: الجنس؛ لأنه لا بدّ في عالم الآخرة من سموات وأرض؛ كما قال تعالى: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ﴾ [إبراهيم:48]؛ ولهذا قال الحسن البصري في قوله: ﴿ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾: تُبدَّل سماء غير هذه السماء، وأرض غير هذه الأرض، فما دامت تلك السماء وتلك الأرض. وقال ابن عباس: لكل جنة سماء وأرض. وقوله: ﴿ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾ كقوله تعالى: ﴿ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ [الأنعام:128]. وقد اختلف المفسرون في المراد من هذا الاستثناء على أقوال كثيرة، حكاها ابن جرير، واختار ما روي عن ابن عباس والحسن: أن الاستثناء عائدٌ على العُصاة من أهل التوحيد، ممن يخرجهم الله من النار بشفاعة الشافعين من الملائكة والنبيين والمؤمنين، حين يشفعون في أصحاب الكبائر، ثم تأتي رحمة أرحم الراحمين، فتخرج من النار من لم يعمل خيرًا قط، وقال يومًا من الدهر: لا إله إلا الله. كما وردت بذلك الأخبار الصحيحة. وهذا الذي عليه كثير من العلماء قديمًا وحديثًا في تفسير هذه الآية الكريمة.
الآية (108): ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا ﴾ وهم أتباع الرسل ﴿ فَفِي الْجَنَّةِ ﴾ أي: فمأواهم الجنة ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ أي: مقيمين فيها أبدًا ﴿ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ﴾ معنى الاستثناء ههنا: أن دوامهم فيما هم فيه من النعيم ليس أمرًا واجبًا بذاته، بل هو موكول إلى مشيئة الله تعالى، فله المنة عليهم دائمًا، ولهذا يُلهَمون التسبيح والتحميد كما يُلهَمون النَّفَس. وعَقَّبَ ذلك بقوله: ﴿ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ أي: غير مقطوع؛ قاله ابن عباس. لئلا يتوهَّم مُتوَهِّم بعد ذكره المشيئة أنْ ثَمَّ انقطاعًا أو لَبْسًا، أو شيئًا، بل ختم له بالدوام وعدم الانقطاع، كما بين هناك أن عذاب أهل النار في النار دائمًا مردود إلى مشيئته، وأنه بعَدْلِه وحكمته عذَّبهم؛ لهذا قال: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾ [هود:107]، وهنا طيَّب القلوب وثَبَّت المقصود بقوله: ﴿ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾.