حجم الخط:

تفسير سورة البلد

وهي مكية، [وعدد آياتها (20) آيةً].

الآية (1-10): هذا قَسَم من الله تبارك وتعالى بمكة أم القرى في حال كون الساكن فيها حالًّا؛ ليُنَـبِّه على عظَمَة قَدْرِها في حال إحرام أهلها. قال مجاهد: ﴿ لَا رد عليهم ﴿ أُقْسِمُ بِهَٰذَا الْبَلَدِ . وقال ابن عباس: ﴿ بِهَٰذَا الْبَلَدِ يعني: مكة، ﴿ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَٰذَا الْبَلَدِ قال: أنت -يا محمد- يَحِلُّ لك أَنْ تُقَاتِلَ به. وكذا رُوي عن سعيد بن جُبَير وقتادة. وقال مجاهد: ما أصبت فيه فهو حلال لك. وقال قتادة: ﴿ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَٰذَا الْبَلَدِ قال: أنت به من غير حَرَج ولا إثم. وقال الحسن البصري: أحلها الله له ساعة من نهار. وهذا المعنى الذي قالوه قد وَرَد به الحديث المتفق على صحته: «إن هذا البلد حَرَّمَه الله يوم خَلْق السموات والأرض، فهو حَرَامٌ بحُرْمة الله إلى يوم القيامة، لا يُعضَد شَجَره ولا يُخْتَلَى خَلَاه. وإنما أُحِلَّتْ لي ساعةً من نهار، وقد عادت حُرْمَتُها اليوم كحُرْمَتها بالأمس، ألا فليبلغْ الشَّاهِد الغائب» [متفق عليه].

﴿ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ عن ابن عباس: الوالد: الذي يلد، وما ولد: العاقر الذي لا يولد له. وقال مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير والحسن البصري وغيرهم: يعني بالوالد آدم، ﴿ وَمَا وَلَدَ : ولده. وهذا الذي ذهب إليه مجاهد وأصحابه حَسَنٌ قوي؛ لأنه تعالى لَـمَّا أَقسَم بأم القرى وهي المساكن أَقسَم بعده بالسَّاكن، وهو آدم أبو البشر وولده. وقال أبو عمران الجوني: هو إبراهيم وذريته. واختار ابن جرير أنه عام في كل والد وولده. ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ عن ابن مسعود، وابن عباس: يعني منتصبًا. والكبد: الاستواء والاستقامة. واختار ابن جرير أن المراد بذلك مكابدة الأمور ومشاقّها.

﴿ أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ قال الحسن: يعني ﴿ أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ يأخذ ماله. وقال قتادة: ابن آدم يَظُنُّ أن لن يُسْأَل عن هذا المال: من أين اكتسبه؟ وأين أنفقه؟ وقال السُّدِّي: ﴿ أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ قال: الله عز وجل ﴿ يَقُولُ ابن آدم: ﴿ أَهْلَكْتُ : أنفقتُ ﴿ مَالًا لُبَدًا أي: كثيرًا. قاله مجاهد وقتادة والسُّدِّي وغيرهم. ﴿ أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قال مجاهد: أي أَيَحْسَبُ أن لم يَرَهُ الله عز وجل. وكذا قال غيره من السلف. ﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ أي: يُبصِرُ بهما، ﴿ وَلِسَانًا أي: يَنطِق به، فَيُعبِّر عمَّا في ضميره، ﴿ وَشَفَتَيْنِ يستعين بهما على الكلام وأكل الطعام، وجمالًا لوجهه وفمه.

﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ أي: الطريقين، عن ابن مسعود قال: الخير والشرّ. وكذا رُوي عن علي وابن عباس ومجاهد وعكرمة. ونظير هذه الآية قوله: ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [الإنسان:3].

الآية (11-18): عن ابن عمر في قوله: ﴿ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ قال: جبل في جهنم. وقال قتادة: إنها قَحْمَة شديدة فاقتحموها بطاعة الله عز وجل. وقال قتادة: ثم أخبر عن اقتحامها، فقال: ﴿ فَكُّ رَقَبَةٍ ﴿١٣ أَوْ إِطْعَامٌ . وقال ابن زيد: ﴿ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ أي: أفلا سَلَكَ الطريق التي فيها النجاة والخير. ثم بيَّنَها فقال: ﴿ فَكُّ رَقَبَةٍ ﴿١٣ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ . عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : «من أعتقَ رقبةً مؤمنةً أعتقَ الله بكل إرْب منها إرْبًا منه من النار، حتى إنه لَيُعْتِق باليد اليدَ، وبالرِّجْل الرِّجْلَ، وبالفَرْج الفرجَ» [متفق عليه].

﴿ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ قال ابن عباس: ذي مجاعة. وكذا قال عكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة، وغير واحد. والسَّغَب: هو الجوع.

﴿ يَتِيمًا أي: أطعَمَ في مثل هذا اليوم يتيمًا ﴿ ذَا مَقْرَبَةٍ أي: ذا قرابة منه. قاله ابن عباس وعكرمة والحسن والضحاك والسُّدِّي. كما جاء في الحديث عن سليمان بن عامر قال: سمعت رسول الله يقول: «الصَّدَقة على المسكين صَدَقة، وعلى ذي الرحم اثنتان، صَدَقة وصِلَة» [رواه أحمد والترمذي والنسائي، وحسنه الألباني].

﴿ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ أي: فقيرًا مُدْقِعًا لاصقًا بالتراب، وهو الدَّقْعَاء أيضًا. قال ابن عباس: ﴿ ذَا مَتْرَبَةٍ هو المطروح في الطريق، الذي لا بيت له، ولا شيء يَقِيه من التراب، وفي رواية عنه: هو البعيد التربة. قال ابن أبي حاتم: يعني الغريب عن وطنه. وقال عكرمة: هو الفقير المديون المحتاج. وقال سعيد بن جبير: هو الذي لا أحد له. وقال ابن عباس وسعيد وقتادة ومقاتل بن حيان: هو ذو العيال. وكل هذه قريبة المعنى. ﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا أي: ثم هو مع هذه الأوصاف الجميلة الطاهرة، مؤمنٌ بقلبه، محتسبٌ ثواب ذلك عند الله عز وجل. ﴿ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ أي: كان من المؤمنين العاملين صالـحًا، المتواصِين بالصبر على أذى الناس، وعلى الرحمة بهم. ﴿ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ : المتصفون بهذه الصفات من أصحاب اليمين.

الآية (19-20): ثم قال: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ أي: أصحاب الشمال، ﴿ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ أي: مُطْبَقَة عليهم، فلا مَحِيدَ لهم عنها، ولا خروج لهم منها. قال أبو هريرة وابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد: ﴿ مُؤْصَدَةٌ أي: مُطْبَقَة، قال ابن عباس: مغلقة الأبواب. وقال الضحاك: حَيْطٌ لا باب له. وقال قتادة: مُطْبَقَة فلا ضوء فيها ولا فُرَج، ولا خروج منها آخر الأبد.