وهي مكية، [وعدد آياتها (46) آيةً].
الآية (1-14): ﴿ وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا ﴾ قال ابن مسعود وابن عباس ومسروق وسعيد بن جبير: الملائكة؛ يعنون حين تَنْزِعُ أرواح بني آدم، فمنهم من تأخذ روحه بعُنف فَتُغْرِق في نَزْعِها، ومنهم مَن تأخذ روحه بسهولة وكأنَّما حَلَّته من نشاط، وهو قوله: ﴿ وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا ﴾ قاله ابن عباس. وعنه: ﴿ وَالنَّازِعَاتِ ﴾: أَنْفُس الكفار؛ تُنْزَع ثم تُنشَط، ثم تُغْرَق في النار. وقال مجاهد: الموت. والصحيح الأول، وعليه الأكثرون. ﴿ وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا ﴾ قال ابن مسعود: هي الملائكة. ورُوي عن علي ومجاهد وسعيد بن جُبَير مثلُ ذلك. وعن مجاهد: ﴿ وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا ﴾: الموت. وقال قتادة: هي النجوم. وقال عطاء بن أبي رباح: هي السفن. ﴿ فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا ﴾ رُوي عن علي ومسروق ومجاهد: الملائكة، قال الحسن: سبقت إلى الإيمان والتصديق به. وعن مجاهد: الموت. وقال قتادة: هي النجوم. وقال عطاء: هي الخيل في سبيل الله. وقوله: ﴿ فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا ﴾ قال عليٌّ ومجاهد وعطاء: هي الملائكة، زاد الحسن: تُدَبِّرُ الأمر من السماء إلى الأرض. يعني: بأمر ربها عز وجل. ولم يختلفوا في هذا، ولم يَقْطَع ابن جرير بالمراد في شيء من ذلك، إلا أنه قال ﴿ فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا ﴾: الملائكة، ولا أَثْبَتَ ولا نَفَى. ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ ﴿٦﴾ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ﴾ قال ابن عباس: هما النفختان الأولى والثانية. وهكذا قال مجاهد والحسن وقتادة وغير واحد. وعن مجاهد: أما الأولى -وهي ﴿ الرَّاجِفَةُ ﴾- فكقوله جَلَّت عظمته: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ ﴾ [المزمل:14]، والثانية -وهي ﴿ الرَّادِفَةُ ﴾- فهي كقوله: ﴿ وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً ﴾ [الحاقة:14]. عن أبيّ بن كعبٍ رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا ذهبَ رُبعُ الليلِ قامَ فقال: «يا أيُّها الناسُ! اذْكُروا الله، جاءَتِ الراجِفَةُ، تَتْبَعُها الرادفة، جاء الموتُ بما فيه، جاء الموت بما فيه» [رواه الترمذي وحسنه الألباني]. ﴿ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ ﴾ قال ابن عباس: يعني خائفة. وكذا قال مجاهد وقتادة. ﴿ أَبْصَارُهَا ﴾ أي: أبصار أصحابها. وإنما أُضيف إليها للمُلابَسة، ﴿ خَاشِعَةٌ ﴾ أي: ذليلة حقيرة ممَّا عايَنَتْ من الأهوال. ﴿ يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ ﴾؟! يعني: مشركي قريش ومن قال بقولهم في إنكار المعاد، يستبعدون وقوعَ البعث بعد المصير إلى الحافرة، وهي القبور، قاله مجاهد. وبعد تَمَزُّق أجسادهم وتَفَتُّت عِظَامهم ونُخُورها؛ ولهذا قالوا: ﴿ أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً ﴾؟! قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: أي بالية. وعن ابن عباس: هو العظم إذا بلي ودَخَلت الريح فيه ﴿ قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ ﴾. وعن ابن عباس ومحمد بن كعب وعكرمة وسعيد بن جبير: ﴿ الْحَافِرَةِ ﴾: الحياة بعد الموت. وقال ابن زيد: النار. وما أكثر أسماءها! هي النار، والجحيم، وسقر، وجهنم، والهاوية، والحافرة، ولظى، والحُطَمة. وأما قولهم: ﴿ تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ ﴾ فقال محمد بن كعب: قالت قريش: لئن أحيانا الله بعد أن نموت لَنَخْسَرَنَّ.
﴿ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ﴾ أي: فإنما هو أمر من الله لا مَثْنَوِيَّة فيه ولا تأكيد، فإذا الناس قيام ينظرون، وهو أن يأمر تعالى إسرافيلَ فينفخ في الصور نفخةَ البَعْث، فإذا الأولون والآخرون قيامٌ بين يَدَي الربّ عز وجل ينظرون؛ كما قال تعالى: ﴿ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ﴾ [النحل: 77]. ﴿ فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ ﴾ قال ابن عباس: الأرض كلها. وكذا قال سعيد بن جُبَير وقتادة. وقال مجاهد: كانوا بأسفلها فأخرجوا إلى أعلاها. قال: والساهرة: المكان المستوي.
الآية (15-16): يخبر تعالى رسوله محمدًا ﷺ عن عبده ورسوله موسى عليه السلام أنه ابتعثه إلى فرعون، وأيَّده بالمعجزات، ومع هذا استمر على كفره وطغيانه، حتى أخذه الله أخذ عزيز مقتدر. وكذلك عاقبة من خالفك وكَذَّبَ بما جِئْتَ به؛ ولهذا قال في آخر القصة: ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَىٰ ﴾. فقوله: ﴿ ﳉ ﳊ ﳋ ﳌ ﴾ أي: هل سمعت بخبره؟! ﴿ إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ ﴾ أي: كَلَّمَهُ نداءً ﴿ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ ﴾ أي: الـمُطَهَّر ﴿ طُوًى ﴾ وهو اسم الوادي على الصحيح.
الآية (17-26): ﴿ اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ ﴾ أي: تَجَبَّرَ وتَـمَرَّدَ وعَتَا؛ ﴿ فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَىٰ أَنْ تَزَكَّىٰ ﴾؟! أي: قل له: هل لك أن تُجِيبَ إلى طريقة ومَسْلَك تَزَّكَّى به، أي: تُسلم وتُطِيع. ﴿ وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ ﴾ أي: أَدُلُّكَ إلى عبادة ربك، ﴿ فَتَخْشَىٰ ﴾ أي: فيصير قلبك خاضعًا له مطيعًا خاشيًا بعدما كان قاسيًا خبيثًا بعيدًا من الخير.
﴿ فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَىٰ ﴾ يعني: فأظهر له موسى مع هذه الدعوة الحق حجةً قويةً، ودليلًا واضحًا على صِدْق ما جاءه به من عند الله، ﴿ فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ ﴾ أي: فكذَّب بالحق وخالف ما أَمَرَه به من الطاعة. وحاصلُه أنه كَفَر قلبُه فلم ينْفَعِل لموسى بباطنه ولا بظاهره، وعِلمُهُ بأن ما جاء به حقٌّ لا يلزم منه أنه مؤمن به؛ لأن المعرفة علمُ القلب، والإيمان عَمَلُه، وهو الانقياد للحقِّ والخضوع له.
﴿ ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ ﴾ أي: في مقابلة الحق بالباطل؛ وهو جَمعُهُ السَّحَرةَ ليقابلوا ما جاء به موسى عليه السلام من المعجزة الباهرة.
﴿ فَحَشَرَ فَنَادَىٰ ﴾ أي: في قومه، ﴿ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ ﴾.
﴿ فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ ﴾ أي: انتقم الله منه انتقامًا جَعَله به عبرةً ونكالًا لأمثاله من المتمرِّدين في الدنيا، ﴿ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ ﴾ [هود:99]، كما قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ ﴾ [القصص:41]. هذا هو الصحيح في معنى الآية؛ أن المراد بقوله: ﴿ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ ﴾ أي: الدنيا والآخرة، وقيل: المراد بذلك كلمتاه الأولى والثانية. وقيل: كفره وعصيانه. والصحيح الذي لا شك فيه الأول. ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَىٰ ﴾ أي: لمن يَتَّعِظ ويَنْزَجِر.
الآية (27-33): يقول تعالى محتجًّا على مُنكري البَعْث في إعادة الـخَلْق بعد بَدْئه: ﴿ أَأَنْتُمْ ﴾ أيها الناس ﴿ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ ﴾؟! يعني: بل السماءُ أشدُّ خلقًا منكم؛ كما قال تعالى: ﴿ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ﴾ [غافر:57]، وقال: ﴿ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ﴾ [يس:81]، فقوله: ﴿ بَنَاهَا ﴾ فَسَّرَه بقوله: ﴿ رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ﴾ أي: جَعَلَها عالية البناء، بعيدة الفِناء، مستوية الأرجاء، مكللة بالكواكب في الليلة الظلماء. ﴿ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا ﴾ أي: جَعَل ليلها مُظلمًا أسود حالكًا، ونهارها مضيئًا مُشْرِقًا نَيِّرًا واضحًا. قال ابن عباس: أغطش ليلها: أظلمه. وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وجماعة كثيرون. ﴿ وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا ﴾ أي: أنار نهارها.
﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا ﴾ فَسَّرَه بقوله: ﴿ أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا ﴾ وقد تقدم في سورة «حم السجدة»[1] أن الأرض خُلِقَت قبل السماء، ولكن إِنَّما دُحِيَتْ بعد خَلْق السماء، بمعنى أنه أَخرَج ما كان فيها بالقوة إلى الفعل[2]. وهذا معنى قول ابن عباس وغير واحد، واختاره ابن جرير.
﴿ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ﴾ أي: قَرَّرَها وأَثْبَتَها وأكَّدَها في أماكنها، وهو الحكيم العليم، الرؤوف بخلقه الرحيم.
﴿ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴾ أي: دَحَا الأرض فأَنْبَع عيونها، وأَظْهَر مكنونها، وأَجْرَى أنهارها، وأَنْبَتَ زُرُوعها وأشجارها وثمارها، وثَبَّتَ جبالها، لتَسْتَقِرَّ بأهلها ويَقَرَّ قرارُها، كل ذلك متاعًا لخلقه ولِـمَا يحتاجون إليه من الأنعام التي يأكلونها ويركبونها مدة احتياجهم إليها في هذه الدار إلى أن ينتهي الأمَد، وينقضي الأجل.
الآية (34-46): ﴿ فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَىٰ ﴾ وهو يوم القيامة. قاله ابن عباس؛ سُمِّيَتْ بذلك لأنها تَطُم على كلّ أَمْرٍ هائل مُفظع، كما قال تعالى: ﴿ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ ﴾ [القمر:46].
﴿ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَىٰ ﴾ أي: حينئذٍ يَتَذَّكرُ ابنُ آدم جميع عَمَله خيره وشرِّه؛ كما قال تعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ ﴾ [الفجر:23].
﴿ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَىٰ ﴾ أي: أُظْهِرَت للناظرين فرآها الناس عِيَانًا، ﴿ فَأَمَّا مَنْ طَغَىٰ ﴾ أي: تَـمَرَّدَ وعَتَا، ﴿ وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾ أي: قَدَّمَها على أمر دينه وأُخرَاه، ﴿ فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ ﴾ أي: فإن مصيرَه إلى الجحيم، وإن مَطْعَمَه من الزَّقُّوم، ومشربه من الحميم.
﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ ﴾ أي: خاف القيام بين يدي الله عز وجل، وخاف حُكْمَ الله فيه، ونهى نفسه عن هواها، ورَدَّها إلى طاعة مولاها ﴿ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ ﴾ أي: مُنْقَلَبه ومصيره ومرجعه إلى الجنة الفيحاء.
﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ﴿٤٢﴾ فِيمَ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ﴾ أي: ليس عِلْمُها إليك ولا إلى أَحَد من الخلق، بل مَرَدُّها ومَرجِعها إلى الله عز وجل؛ فهو الذي يَعْلَم وَقْتَها على التعيين، ﴿ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ﴾ [الأعراف:187]، وقال ههنا: ﴿ﰄ ﰅ ﰆ﴾. ولهذا لَـمَّا سأل جبريلُ رسولَ الله ﷺ عن وقت الساعة قال: «ما المسؤول عنها بِأَعْلَمَ من السائل» [رواه مسلم].
﴿ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ﴾ أي: إنما بَعَثْتُك لتُنذِر الناس وتُحَذِّرهم من بأس الله وعَذَابه، فمن خَشِيَ الله وخاف مقامه ووعيده اتَّبَعَكَ فأفلح وأنجح، والخيبة والـخَسَار على من كَذَّبَك وخالفك.
﴿ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ﴾ إذا قاموا من قبورهم إلى المحشر يسْتَقْصِرُون مُدّة الحياة الدنيا، حتى كأنَّها عندهم كانت عشيةً من يوم أو ضُحى من يوم. قال ابن عباس: ﴿ﰔ﴾ ما بين الظهر إلى غروب الشمس، ﴿ﰕ ﰖ﴾ ما بين طلوع الشمس إلى نصف النهار. وقال قتادة: وقت الدنيا في أعين القوم حين عاينوا الآخرة.