الرياء في اللغة مشتق من الرؤية، وهي: النظر، يقال: رائيتُه، مراءاة، ورياء، إذا أريتُه على خلاف ما أنا عليه[1].
وفي الاصطلاح: أن يظهر الإنسان العمل الصالح للآخرين أو يحسنه عندهم، أو يَظهر عندهم بمظهر مندوب إليه ليمدحوه ويعظم في أنفسهم[2].
فمن أراد وجه الله والرياء معاً فقد أشرك مع الله غيره في هذه العبادة، أما لو عمل العبادة وليس له مقصد في فعلها أصلاً سوى مدح الناس فهذا صاحبه على خطر عظيم، وقد قال بعض أهل العلم: إنه قد وقع في النفاق والشرك المخرج من الملة[3].
والرياء له صور عديدة، منها:
1- الرياء بالعمل، كمراءاة المصلي بطول الركوع والسجود[4].
2- المراءاة بالقول، كسرد الأدلة إظهاراً لغزارة العلم، ليقال: عالِم[5].
3- المراءاة بالهيئة والزيِّ، كإبقاء أثر السجود على الجبهة رياءً[6].
وقد وردت أدلة كثيرة تدل على تحريم الرياء وعظم عقوبة فاعله، وأنه يبطل العمل الذي يصاحبه[7]، منها حديث محمود بن لبيد رضي الله عنه مرفوعا: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر»، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: «الرياء، يقول الله عز وجل لهم يوم القيامة إذا جزي الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، هل تجدون عندهم جزاءً؟»[8].
وحديث محمود بن لبيد رضي الله عنه الآخر، قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أيها الناس! إياكم وشرك السرائر» قالوا: يا رسول الله، وما شرك السرائر؟. قال: «يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته جاهداً لما يرى من نظر الناس إليه، فذلك شرك السرائر»[9]. وحديث أبي هريرة في خبر الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، وهم رجل قاتل في الجهاد حتى قتل، ليقال: جرئ، ورجل تعلّم العلم وعلّمه أو قرأ القرآن ليقال: عالم أو قارئ، ورجل تصدَّق ليُقال: جواد. رواه مسلم[10].
ولهذا ينبغي للمسلم البعد عن الرياء والحذر من الوقوع فيه، وهناك أمور تعين على البعد عنه، أهمها:
1- تقوية الإيمان في القلب، ليعظم رجاء العبد لربه، ويعرض عمن سواه، ولأن قوة الإيمان في القلب من أعظم الأسباب التي يعصم الله بها العبد من وساوس الشيطان، ومن الانقياد لشهوات النفس.
2- التزود من العلم الشرعي، وبالأخص علم العقيدة الإسلامية، ليكون ذلك حرزاً له بإذن الله من فتن الشبهات، وليعرف عظمة ربه جل وعلا وغناه، وضعف المخلوقين وفقرهم، فيحمله ذلك كله على مقت الرياء واحتقاره والبعد عنه، وليعرف أيضاً مداخل الشيطان ووساوسه، فيحذرها.
3- الإكثار من الالتجاء إلى الله تعالى ودعائه أنه يعيذه من شر نفسه ومن شرور الشيطان ووساوسه، وأن يرزقه الإخلاص فيما يأتي وما يذر، والإكثار من الأذكار الشرعية التي هي حصن من شرور النفس والشيطان.
4- تذكر العقوبات الأخروية العظيمة التي تحصل للمرائي، ومن أعظمها أنه من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة.
5- التفكُّر في حقارة المرائي وأنه من السفهاء والسَّفَلة؛ لأنه يعرض نفسه أن يكون أو من تسعر بهم النار يوم القيامة ويضيع ثواب عمله الذي هو سبب لفوزه بالجنة ونجاته من عذاب القبر وشدة القيامة وعذاب النار من أجل مدح الناس والحصول على منزلة عند المخلوقين، فهو يبحث عن رضا المخلوق بمعصية الخالق، ولهذا لما سُئل الإمام مالك رحمه الله: مَنِ السَّفَلة؟ قال: «من أكل بدينه»[11].
6- الحرص على كل ما هو سبب في عدم الوقوع في الرياء، وذلك بالحرص على إخفاء العبادات المستحبة، وبمدافعة الرياء عندما يخطر بالقلب، وبالبعد عن مجالسة المدّاحين وأهل الرياء، ونحو ذلك[12].
وفي ختام الكلام على مسألة الرياء يحسن التنبيه إلى أنه لا يجوز للمسلم أن يرمي مسلماً آخر بالرياء، فإن الرياء من أعمال القلوب ولا يعلمه إلا علاّم الغيوب، واتهام المسلمين بالرياء هو من أعمال المنافقين[13]، والأصل في المسلم السلامة، وأنه إنما أراد وجه الله، وأيضاً فإن المسلم يندب له في بعض المواضع أن يظهر عمله للناس، إذا أمن على نفسه من الرياء، كما إذا أراد أن يُقتدى به في الخير، فليس كل من حرص على إظهار عمله للناس يعتبر مرائياً[14].