حجم الخط:

الثالثُ: الاجتهادُ والاستنباطُ:

فإنْ لم يجدِ الصحابةُ رضي الله عنهم التفسيرَ في القرآنِ، ولا في سنةِ رسول الله ، اجتهدوا؛ لأنهم عربٌ خُلَّصٌ شاهدُوا التنزيلَ، وحضروا مجالسَ الرسولِ ، والقرآنُ نزل بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ، وهذا فيما يحتاجُ إلى اجتهادٍ وإعمالِ ذهنٍ، وقد توافرَتْ عندهم أدواتُ الاجتهادِ، فهم[1]:

أولًا: يعرفون أوضاعَ اللغةِ العربيةِ وأسرارَها، وهذا يعينُهم على معرفةِ الآياتِ التي يتوقفُ فهمُها على فهمِ اللغةِ العربيةِ.

ثانيًا: يعرفون عاداتِ العربِ وأخلاقَهم، وهذا يُعينُ على فهمِ ما يتعلقُ بإصلاحِ عاداتِهم وتهذيبِ سلوكِهم من الآياتِ، كقولِه تعالى: ﴿ إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ۖ [التوبة: 37]، وقوله: ﴿ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا [البقرة: 189]، ومثل هذا يَفهمُ المرادَ منه من كان يعرفُ عاداتِ العربِ في الجاهليةِ.

ثالثًا: معرفتُهم بأحوالِ اليهودِ والنصارى في جزيرةِ العربِ وقتَ نزولِ القرآنِ الكريمِ، وهذا يُعينُهم على معرفةِ الآياتِ التي تتحدثُ عنِ اليهودِ والنَّصارى، وما يأتون من أمورٍ، وما يُدبرون للمسلمين.

رابعًا: معرفةُ أسبابِ النزولِ، فهمُ الذين شاهدوا التنزيلَ، وحضروا الأحداثَ والوقائعَ، ومعرفةُ ذلك تُعينُ على فهمِ كثيرٍ منَ الآياتِ؛ ولذلك قالَ ابنُ تيميةَ رحمه الله: (معرفةُ سببِ النزولِ يُعينُ على فهمِ الآيةِ، فإنَّ العلمَ بالسببِ يورثُ العلمَ بالمُسَبَّبِ)[2].

خامسًا: قوةُ الفهمِ والإدراكِ، فقد آتاهم اللهُ عقلًا وفهمًا جَلَوا به كثيرًا من الأمورِ، وهذا أمرٌ معلومٌ من سيرتِهم رضي الله عنهم.

وبهذه الأمورِ فَهِمَ الصَّحابةُ كثيرًا من آياتِ القرآنِ الكريمِ التي لم يَرِدْ تفسيرُها في الكتابِ، ولا في السنةِ.

وهم يتفاوتون في معرفةِ معانِي القرآنِ حسبَ تفاوتِ مداركِهم وتحصيلِهم، وحسبَ تفاوتِ قدراتِهم العقليةِ؛ ولذا يقعُ بينهم اختلافٌ في التفسيرِ، كما سيأتي بيانُه إن شاءَ اللهُ تعالى.

واشتهرَ عددٌ من الصحابةِ بالتفسيرِ، هم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الله بن مسعودٍ وعبد الله بن عباسٍ وعبد الله بن الزُّبيْرِ بن العوامِ، وأُبيُّ بن كعبٍ، وزيدُ بن ثابتٍ، وأبو موسى الأشعريُّ، وعائشةُ رضي الله عنهم أجمعين، وهؤلاء هم الذين اشتهروا بالتفسيرِ، وهناك عددٌ آخرُ من الصحابةِ نُقِلَ عنهم في التفسيرِ نقلًا قليلًا لم يصلْ بهم إلى درجةِ الشهرةِ، ومنهم: أنسٌ وأبو هريرةَ وابن عمرَ وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة