وهذه قاعدةٌ مهمةٌ، فعلى المفسرِ ألَّا ينظرَ في الكلمةِ أو الجملةِ مستقلةً بنفسها، بل عليه أن ينظرَ إليها في سياقِ النصِّ القرآنيِّ، فإنَّ ذلك معينٌ على تحديدِ المعنى المرادِ؛ لا سيما إذا كان للكلمةِ أو الجملةِ أكثرُ من معنًى.
وبهذه القاعدةِ رجحَ الطبريُّ وغيرُهُ من المفسرينَ بعضَ الأقوالِ، وردُّوا غيرَها، ففي تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ ﴾ [البقرة: 102] قالَ الطبريُّ: (وقد زعمَ بعضُ الزاعمين أن قولَهُ: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ ﴾ يعني به: الشياطينَ، وأنَّ قولَه: ﴿ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ يعنِي به: الناسَ، وذلك قولٌ لجميعِ أهلِ التأويلِ مخالفٌ؛ وذلك أنهم مجمعون على أنَّ قولَهُ: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ ﴾ معنيٌّ به اليهود دونَ الشياطينِ، ثم هو -مع ذلك- خلافُ ما دلَّ عليه التنزيلُ؛ لأنَّ الآياتِ قبلَ قولِه: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ ﴾، وبعدَ قولِه: ﴿ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ جاءتْ منَ اللهِ بذمِّ اليهودِ وتوبيخِهم على ضلالِهم، وذمًّا لهم على نبذِهم وحيَ اللهِ وآياتِ كتابِهِ وراءَ ظهورِهِم مع علمِهِم بخطإِ فعلِهم، فقولُه: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ ﴾ [البقرة: 102] أحدُ تلك الأخبارِ عنهم)[1].
وفي تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ﴾ [البقرة: 121] نقلَ الطبريُّ عن قتادةَ قولَهُ: (هؤلاء أصحابُ النبيِّ ﷺ).
وروى عن غيرِه أنَّهم علماءُ بني إسرائيلَ الذين اتبعُوا محمدًا ﷺ، ثمَّ رجحَ القولَ الثانيَ، فقالَ: (وهذا القولُ أولى بالصوابِ من القولِ الذي قالَهُ قتادةُ؛ لأنَّ الآياتِ قبلَها مضت بأخبارِ أهلِ الكتابين، وتبديل منْ بَدَّل منهم كتابَ اللهِ، وتأولهم إياه على غيرِ تأويلِه، وادعائِهم على اللهِ الأباطيلَ، ولم يجرِ لأصحابِ محمدٍ ﷺ في الآيةِ التي قبلها ذكرٌ.. ولا لهم بعدها ذكرٌ في الآيةِ التي تتلُوهَا)[2].
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿ سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [الأعراف: 145] قيل: سأريكم مصيرَهم، وقيل: سأريكم جهنمَ، وقيل: سأريكم ديارَهم في الشامِ، وقيل: سأريكم دارَ فرعونَ وهي مصرُ.
ورأى الطبريُّ أنها للتهديدِ لمن عصاه وخالفَ أمرَهُ، ثم قال: (وإنَّما اخترنا القولَ الذي اخترنَاهُ في تأويلِ ذلك؛ لأنَّ الذي قبل قولهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿ سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ ﴾ أمرٌ منَ اللهِ لموسى وقومِهِ بالعملِ بما في التوراةِ، فأولى الأمورِ بحكمةِ الله تعالى أن يختِمَ ذلكَ بالوعيدِ على من ضيعَهُ، وفَرَّط في العملِ للهِ، وحادَ عن سبيلِه، دونَ الخبرِ عما قد انقطعَ الخبرُ عنه، أو عمَّا لم يجزْ له ذكرٌ)[3].
وفي تفسيرِ قولِهِ تعالَى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ﴾... [آل عمران: 31] قيلَ: نزلتْ في قومٍ في عهدِ النبيِّ ﷺ ادَّعوا أنَّهم يحبونَ اللهَ، وقيلَ: نزلتْ ردًّا على النصارَى في ادعائِهم أنَّ ما يقولونَ عن عيسَى عليه السلام إنما هو محبةٌ للهِ.
وقد رجحَ ابنُ جريرٍ الطبريُّ القولَ الثانيَ (لأنَّهُ لم يجرِ لغيرِ وفدِ نجران في هذه السورةِ، ولا قيلَ: هذه الآيةُ ذكرٌ لقومٍ ادعَوْا أنهم يحبونَ اللهَ، ولا أنهم يعظِّمونَه)[4].