مكانة جمع القرآن في عهد أبي بكر رضي الله عنه:
ظفر هذا الجمع باتفاق الصحابة رضي الله عنهم على صِحَّته ودقته، وأجمعوا على سلامته من الزيادة أو النقصان، وتَلقَّوه بالقبول والعناية التي يستحقها؛ حتى قال عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه: «أعظم الناس أجرًا في المصاحف أبو بكر؛ فإنه أول مَن جمع ما بين اللوحين»[1].
ومع هذا التصريح من عليٍّ رضي الله عنه؛ فقد زعم قومٌ أن أول مَن جمع القرآن هو عليٌّ كَرَّم الله وجهه لما توفي رسول الله ﷺ تخلف لجمعه؛ فبعض طرقه ضعيفة، وبعضها موضوع، وما صح فمحمول كما قيل على الجمع في الصدر، وقيل: كان جمعًا بصورة أخرى لغرضٍ آخر، ويؤيده أنه قد كتب فيه الناسخ والمنسوخ، فهو ككتابِ عِلْمٍ[2].
ولهذا روي أن أول مَن جمعه عمر رضي الله عنه، كما روي أن أول من جمعه سالم مولى أبي حذيفة، أقسمَ ألا يرتدي برداء حتى يجمعه، وكل ذلك محمول على ما حُمِل عليه جمعُ عليٍّ رضي الله عنه، بل ذكر ابنُ حَجَر وغيره أن جمع علي رضي الله عنه كان حسب ترتيب النزول، وذكر النهاوندي -أحد مفسري الشيعة- (أن الكتاب الذي جمعه أمير المؤمنين عليه السلام كان فيه بيان شأن نزول الآيات، وأسماء الذين نزلت فيهم، وأوقات نزولها، وتأويل متشابهاتها، وتعيين ناسخها ومنسوخها، وذكر عامِّها وخاصِّها، وبيان العلوم المرتبطة بها، وكيفية قراءتها)[3].
وإن صح هذا -مع استحالته- فليس هو بجمع للقرآن، وإنما هو كتاب في علوم القرآن، وإنما قلت: مع استحالته، فلأن جمعه حسب ترتيب النزول غير ممكن، فقد سأل محمد بن سيرين عكرمة مولى ابن عباس فقال: «قلت لعكرمة: أَلَّفُوه كما أُنْزِلَ؛ الأَوَّلُ فالأَوَّلُ؟ قال: لو اجتمع الإنسُ والجِنُّ على أن يُؤَلِّفُوه هذا التأليف ما استطاعوا»[4].