حجم الخط:

الرد على الـملحدين

الخطبة الأولى:

الحمد لله الذي عز جلاله فلا تدركه الإفهام، وسما كماله فلا تحيط به الأوهام، وشهدت أفعاله أنه الحكيم العلام، سبحانه هو الملك القدوس السلام، حبب إلى عباده الإيمان وشرح صدورهم للإسلام، تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام..

أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، جل عن الشبيه والمثيل والكفء والنظير، دلَّت على وجوده الآيات الباهرة، وشهدت على جوده نعمه الباطنة والظاهرة، وسبحت بحمده الأفلاك الدائرة، والنجوم السائرة، والسحب الماطرة، هو الأول فله الخلق والأمر، والآخر فإليه الرجوع يوم الحشر، الظاهر فله الحكم والقهر، والباطن فله السر والجهر..

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، أرسله ربه رحمة للعالمين، ومحجةً للسالكين، وحُجة على العباد أجمعين، فهدى به من الضلالة، وبصَّر به من الجهالة، وأرشد به من الغواية، وكثَّر به بعد القلة، وأغنى به بعد العيلة، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.

فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطيبين، وأصحابه الغُرِّ الميامين، ما اتصلت عينٌ بنظَر، أو سمعت أذن بخبر، وسلَّم تسليما كثيرًا إلى يوم الدين.

أما بعد:

فيا عباد الله: اتقوا الله كما أمركم في محكم كتابه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران:102].

عباد الله: إن من فضل الله علينا أن أوجدنا وخلقنا في هذه الحياة، وأمدَّنا بأصناف النعم، خلقنا في أحسن تقويم، وكرمنا أعظم تكريم، ومتَّعنا بالأسماع والأبصار والعقول، وسخَّر لنا ما في السماوات وما في الأرض، وما في الجو والبر والبحر، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، وفضلنا على كثير من خلقه بالفطر الصحيحة، والعقول الرجيحة، والجوارح السليمة، والنعم العظيمة، والمنن الجسيمة، كل ذلك ليحمل الإنسان الأمانة الغالية، والمسئولية الكبيرة، ليعرف في الوجود مكانته التي بوَّأه الله إياها، ووظيفته التي كلفه بها، والغاية المُثلى التي خلقه لأجلها، والحق العظيم الذي عليه لله ربه، خالقه ورازقه، ومدبر أموره، ومالك ضره ونفعه، وحياته وموته، لا إله غيره، ولا رب سواه.

أيها الإخوة الكرام: خلق الله تعالى الخلق عبيدا له، ذليلين لجنابه جل وعلا ، وقضـى الله تعالى أن يوجد خالق ومخلوق، وربّ ومربوب، وعبد ومعبود جل في علاه.

ولقد قرر الله تعالى هذه القضية في القرآن، وبين الله عز وجل أحوال الملحدين الأولين فذكر الله تعالى في كتابه إلحاد فرعون لما جحد بها واستيقنتها نفسه، كما قال الله جل وعلا: ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ﴾ [النمل:14]، وذلك لما جاء موسى ♠ إلى فرعون يدعوه إلى الإسلام فجحد فرعون بربنا جل وعلا وجعل يناظر موسى و يناقشه حتى كان الهلاك على فرعون، فلما بدأ به الغرق قال: ﴿ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [يونس:90].

فذكر الله تعالى إلحاد فرعون، وذكر الله تعالى في كتابه الحاد النمرود الذي قال لإبراهيم ♠ أنا احيي واميت! فقال له إبراهيم: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة:258].

فذكر الله تعالى الإلحاد في كتابه، ولا يزال الإلحاد -أيها المسلمون- يطوف بعقول بعض الناس، وإنك إذا تأملت اليوم في واقعنا وجدت أن مثل هذا الإلحاد بدأ ينتشـر عند بعض المسلمين مع -الأسف!- فبدأت تظهر لهم منظمات ومنتديات من خلال شبكة الانترنت، وصار لهم مواقع، وصار لهم مناقشات ونواد يجتمعون فيها، فتجد أحيانا في بعض البلدان من كانوا مسلمين أو هم لا يزالون مسلمين لكن عندهم شيء من اللوثة تتأثر بذلك الإلحاد أو ببعض عقائده أو بقراءة بعض كتبه، أو المشاركة في بعض منتدياته أو ما شابه ذلك، بسبب الشبهة والشهوة.

ولقد كان السلف ﭭ يُحذرون الناس من أن يقع في قلوبهم شك في وجود رب العالمين أو في أحقيته بالعبادة، ولقد ذكر أهل العلم أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى ناظر يوما قوما من السومانية، قال: وكان هؤلاء السومانيه قوما ملحدين ينكرون وجود الله تعالى ويقولون إن هذا الكون وجد هكذا صدفة من غير خالق، من غير موجِد، وأن ما نرى من جبال وأحجار وأشجار و مخلوقات متنوعة على إتقانها وجلالة هيبتها ودقة صنعتها أن هذا كله إنما وجد هكذا صدفة دون أن يكون له خالق و موجد جل في علاه.

فناظرهم أبو حنيفة رحمه الله فإذا بهم يتأففون عنه ويترفعون عن حواره و يظنونه ضالا في عقيدته، فواعدهم من غده أن يلتقوا عند الأمير -يعني عند أمير البلد- فلما كان الموعد تأخر عليهم أبو حنيفة رحمه الله فأخذوا يتكلمون عنه ويذمونه ويقولون للأمير: هؤلاء علماؤكم يتأخرون عن مواعيدهم! فلما دخل أبو حنيفة قال له الأمير: تأخرت يا أبا حنيفة. قال: نعم؛ إني لم أجد مركبا ينقلني من ضفة النهر إلى الضفة الأخرى. قال له: فماذا فعلت؟ (لما لم تجد مركبا يحملك)؟ هل قطعت النهر سباحة؟ قال: كلا، بينما أنا واقف على جانب ضفة النهر إذا بسحابه تمر علينا، وإذا ببرق عظيم ورعد شديد، وإذا هذا البرق تنطلق منه صاعقه فتشق شجرة عظيمه إلى نصفين فيقع نصفها هكذا صدفة في البر ونصفها في البحر، وصدفةً إذا بالنصف الذي في البحر تنطلق قطعة من حديد كانت موجودة على الارض ثم تلتصق بغصن من اغصان هذه الشجرة، ثم هكذا يلتصق هذا الحديد بذلك اللوح ثم يقبل على هذا الجزء الذي على الماء ثم يبدأ يقطعه حتى صُنع منه قارب يستطيع إن يسير في الماء، ثم دنا هذا القارب صدفةً إلى جانب الشط فركبت فيه، ثم صدفة هكذا انطلقت ألواح من يمين ويسار وصنعت مجاديف، والتصق بعض الأخشاب ببعض حتى صنعت مجدافين، ثم جعلت تجدف من نفسها دون أن يكون لها صانع، دون أن يكون لها مجدِّف، دون أن يكون لها موجِّه ولا رُبّان يقود هذا القارب، فإذا نحن بعد قليل في الضفة الأخرى، فها نحن الآن بين أيديكم!

قال: فالتفت السومانية إلى الأمير وقالوا: عالمكم هذا مجنون. قال لهم أبو حنيفة: لماذا؟ قالوا: أمعقول أن يوجد قارب كامل من غير صانع؟ ثم هذا الفأس يوجد من غير صانع، ثم ما هذه الصدفة التي قسمت هذه الشجرة نصفين وجعلت نصفا على البر ونصفا على البحر؟ ثم كيف يسير هذا القارب من غير قبطان يقوده و لا رجل يوجهه؟ أنت مجنون.

فقال لهم أبو حنيفة: سبحان الله! الآن لم تصدقوني بأن قاربا واحدا وجد هكذا صدفة وصنع هكذا من غير صانع، وأنتم تقولون إن السموات و الأرض والجبال والشمس والقمر وما في الكون من الأفلاك الدائرة والكواكب السائرة كله تدَّعون أن هذا الكون كله وجد صدفه! فحجَّهم رحمه الله تعالى.

وذُكر أن أبا حنيفة أيضا جلس يوما مع بعض هؤلاء الملحدين فتكلم أبو حنيفة عن خلق الله تعالى للكون وإتقان صنعته، قال ذلك الملحد: أنت تزعم أن الله هو وحده هو الخالق؟ قال: نعم؛ هو سبحانه الذي يوجد الشيء من عدم فيخلق ما يشاء. فالتفت إليه ذلك الملحد وقال: أنا أستطيع أن أخلق. قال: أنت تخلق؟! قال: نعم.

فمضى ذلك الملحد بأبي حنيفة إلى شجرة فشق شيئا منها ثم أخذ قطعة لحم ودسه في الثقب الذي صنعه ثم غطى ذلك الثقب، وقال لأبي حنيفة: موعدنا هنا بعد شهر، فلما مضت الثلاثون يوما أقبل أبو حنيفة إلى ذلك الموضع ثم نزعوا ذلك الغطاء وإذا بذلك اللحم عليه شيء من الدود يسري عليه، لما كشفوا الغطاء إذا بالدود يخرج من مكانه، فقال له ذلك الملحد: هل كان هذا الدود موجودا قبل أن نضع اللحم؟ قال أبو حنيفة: لا. قال: هل ترى موضعا يمكن للدود أن يدخل من خلاله وقد سددنا المكان؟ قال: لا؟ فقال: إني أنا الذي خلقته.

فقال له أبو حنيفة: الخالق يعرف خلقه، أليس كذلك؟ قال: نعم. قال: كم عدد مخلوقاتك؟ قال: لا أدري. قال: كم منها ذكور وكم منها إناث؟ قال: لا أدري. قال: ماهي آجالها؟ مَن سيموت منها قبل الآخر؟ قال لا أدري. قال: مَن وُجد منها في الحياة قبل الآخر؟ ما أعمارها؟ قال: لا أدري. قال: سبحان الله! وتزعم أنك خالق عليم بخلقك وأنت لا تدري عن أعمارهم ولا عن آجالهم ولاعن ذكورهم من إناثهم؟!.

وإذًا؛ هو فعلا لم يخلق إنما هيأ بيئة لأجل أن تتحرك بعض الفطريات الموجودة أصلا في ذلك اللحم، هيأ لها بيئة ليصنعها الله تعالى وأن يخلقها كما يشاء جل في علاه؛ كما يهيء الزارع البذرة والأرض للنبات، لذا -أيها المسلمون- إن هذا المذهب -أعني مذهب الإلحاد- مع وجوده اليوم ومع ظهوره فإن عددا من هؤلاء الملحدين لا يزالون مقتنعين بما حدَّثَهم به داروِن لما قال إن أصل الإنسان كان من قرد!.

يقول أحد الدعاة: حاورت ملحدًا فقلت له: من خلقنا؟ قال: نحن تطورنا. قلت له: كيف تطورنا؟ قال: نحن كنا قرودا، وقبل أن نكون قرودا كنا حيوانات أصغر من ذلك، ثم كنا ضفادع، ثم كنا خلايا صغيرة، ثم كنا أصغر من هذه الخلايا. فلما قال كنا قرودا قلت له: أما أنا فلم اكن قردا ولله الحمد! كل شخص يتكلم عن نفسه، أنا بشر ابن بشر، خلق الله تعالى أبانا آدم في السماء بشرا ونحن من ذريته، أما أن تكون أنت اجدادك قرود فهذا راجع إليك!.

ثم قال: إن هذه الخلايا كانت قديمة. فقلت له: حسنا، ارجع ايضا. قال: فلا تزال هذه الخلايا كونت من خلايا اصغر منها... حتى وصلنا إلى موضع لا يستطيع الاجابة عليه. قلت له: حسنا، لما تناهت في الصغر وجعلت تصغر هذه الخلايا فتصنع تلك الخلية خلية قبلها وتوجد منها وتتطور حتى تكبر الخلية الأولى، مَن أوجدها؟ قال: هذه جاءت من الانفجار العظيم للكون. قلت: هذا الانفجار معناه أن هناك شيء كان موجودا وانفجر، أليس كذلك؟ قال: بلى. قلت: هذا الشيء الذي انفجر مَن خلقه؟ من أوجده؟ ماذا كان قبل ذلك؟ فسكت قليلا -ومعه ماجستير من امريكا- فقال: هذا السؤال الذي لا يستطيع احد إلى الآن الاجابة عليه.

فقلت له: أما نحن فعندنا الإجابة: ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ [الرعد:16]، وهو سبحانه وتعالى العزيز الحكيم، وهو العلي العظيم، وهو الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين، واللهِ! إن كل خلية من الخلايا لتشهد أن الله تعالى واحد لا شريك له.

فيا عجبًا كيف يُعصـى الإله

أم كيف يجحده الجاحدُ

وفي كل شيء له آيةٌ

تدل على أنه واحدُ

إن كل ذرة من ذرات الكون تشهد أن الله واحد لا شريك له، إنَّ كلَّ جزء نراه في هذا الكون يشهد أن الله تعالى واحد لا شريك له؛ بل إن كل هذه الأمور وكل هذه الأشياء تسبِّح بحمد ربنا جل وعلا ، كما قال الله -سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ [الإسراء:44].

وإن هؤلاء الملحدين ليعيشون في حيرة وحسرة، وهم وغم، لن يجدوا له حلا إلا أن يدخلوا في الاسلام ويوحدوا الله رب العبيد وبارئ البرايا سبحانه.

يقول أحد الدعاة: اتصلت بي امرأة تستفتي فقلت: دعي زوجك يتصل بي، فإذا زوجها يتصل وهي تستفتي: هل يجوز أن أبقى معه وهو ملحد أم لا؟ قلت: دعينا نناظره ونناقشه وننصحه، فتحدثت معه فإذا هو يقول لا إله! قلت: فمَن خلقنا؟ فإذا به يعود بي إلى نظرية دارون وأنه كان قردا. قلت له: حسنا! ما تقول في محمد ﷺ؟ قال: هذا رجل أديب واستطاع أن يصنع القرآن، وخدع الناس بذلك. قلت له: مادام أنه صنع القرآن؛ فلماذا لم يتأتَّى لأحد صنع مثل هذا القرآن الآن من 1400سنة وقريش لم تستطع أن تصنع ولا سورة واحدة، وقد تحداهم وهم الأدباء والبلغاء والشعراء؟ لماذا لم يستطيعوا؟ قال: لا اعلم.

قلت له: حسنا؛ والإعجاز العلمي الموجود في القرآن، لما يقول الله تعالى: ﴿ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ﴾ [النبأ:7] ثم يكتشف اليوم الجيولوجيون بأن لكل جبل وتدا في داخل الأرض هو بمقدار ثلاثة أرباع الذي في سطحها، كما أنك تضـرب وتد الخيمة فتجعل ثلاثة أرباعه داخل الأرض ليشدها وليثبتها، كذلك سمى الله تعالى الجبال أوتادا، ﴿ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ﴾ [النازعات:32]. قلت له: مِن أين عرف محمد ﷺ أن في الارض ثلاثة أضعاف هذا الجبل؟ قال: هذا جاء مصادفة.

قلت له: وما يتعلق بالجنين وأنه كان مضغة وعلقة وإذا به يُنشأ خلقا آخر ويكسو الله تعالى العظام لحما. كيف عرف محمد أن العظام تسبق اللحم؟ كيف عرف؟ قال: هذا أيضا كان صدفة. قلت له: حسنا! والكون لما قال الله تعالى: ﴿ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ﴾ [الذاريات:47]، ولا يزال اليوم الناس يعلمون من العلماء في الفلك بأن الكون لا يزال يتوسع في ذراته؟ قال: أيضا هذا كان صدفة!

قلت: سبحان الله! ما أكثر الصدف التي وافقت الحقيقة من رجل عربي أمي لا يقرأ ولا يكتب، ولم يسبق إليها أحد غيره من الفلاسفة والأطباء والحكماء وغيرهم!

إن صدقت بالأولى والثانية فلا ينبغي ان أصدقك في بقيتها، ثم قلت له: أسألك بالله! متى كنت تشعر براحة أكثر وطمأنينة في قلبك وعدم اكتئاب وعدم قلق الآن حين أنكرت وجود الله وكفرت بالله العظيم وبدأت تنخرط في شهواتك ولذاتك دون أن يكون لك رقيب من داخل قلبك، أم لما كنت عابدا لله مصليا له تقرأ القران؟ فقال: لا تستعمل معي العواطف. قلت: أجب عن هذا السؤال. فقال: أما إن أردت أن أصدقك فوالله لقد كنت في ذلك الحال في طمأنينة، أتمنى الآن أن أجد ولو ربعها، ثم قال: والله إني أعيش الآن في شتات، ولا أستطيع أن أستقر على حال من القلق والاكتئاب؛ لكن مع ذلك أنا مصـر على الرأي الذي أنا عليه!!

فتذكرت حال الاولين الذين عاشوا في شيء مما كان يتعلق بالفلسفة والإلحاد.

واعلم أن الفخر الرازي رحمه الله الذي كان في زمانه أعظم أئمة التأويل؛ رجع عن ذلك المذهب إلى مذهب السلف، معترفًا بأن طريق الحق هي اتباع القرآن في صفات الله.

وقد قال في كتابه أقسام اللَّذَّاتِ: لقد اختبرت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فلم أجدها تروي غليلًا، ولا تشفي عليلًا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن.. وقال: ومن جَرَّبَ مثل تجربتي عرف مثل معرفتي.

وقد بيَّن هذا المعنى في أبياته المشهورة التي يقول فيها:

(نهاية إقدامِ العقول عقالُ

وغايةُ سعْيِ العالمين ضلالُ

وأرواحُنا في وحشةٍ في جُسومنا

وغاية دنيانا أذىً ووبالُ

ولم نستفد من بحثنا طول عمرِنا

سوى أنْ جمعنا فيه قيلَ وقالوا

وكم من جبال قد عنت شُرفاتها

رجالٌ فزالوا والجبال جبال)

وقيل: إنه ذهب مره إلى نيسابور فمر بطريق من الطرق فاجتمع عليه بعض الطلاب يسألونه، فكانت عجوز جالسة عند بيتها فسألت: مَن هذا الذي ظلل عليه الناس واجتمعوا؟ فقالوا لها: هذا الرازي. قالت: أي شيء الرازي؟ ما هو الرازي؟ لم أسمع به! فقال لها أحدهم: هذا الذي أقام ألف دليل عقلي على وجود الله. فقالت: إيه! والله لو لم يقم في قلبه ألفُ شَكٍّ لما احتاج إلى ألف دليل. فسمعها الرازي فرفع بصـره إلى السماء وقال: (اللهم اعطني إيمانًا كإيمان عجائزِ نيسابور) أعطني عقيدة مطمئنة، ولا تجد هذه العقيدة المطمئنة إلا في الإيمان بالله وحده.

والشهرستاني رحمه الله مَرّ أيضا بشيء من تلك الفلسفة والخوض في العقليات، قيل: فلما نزل به الموت جعل يقول:

لقد طفتُ في تلك المعاهد كلها

وقلبت طرفي بين تلك المعالم

فلم أرَ إلا واضعًا كفَّ حائرٍ

على ذقنٍ أو قارعًا سِنَّ نادمِ[1]

يعني: دخلت على الملحدين وحاورتهم وناظرتهم، ودخلت على شتى العقائد ونظرت فيها وجربتها، يقول: ما رأيت إلا محتارين، أو أقواما عندهم ضلال في عقائدهم، أو ما شابه ذلك.

وأذكر أن أحد الملحدين قابل أحد العقلاء الحكماء، فقال له ذلك الملحد: أتزعم أن الله موجود؟ فقال: نعم؛ ربنا جل وعلا موجود، كما سئل ذلك الأعرابي الذي قيل له كيف عرفت ربك؟ فقال: البعرة تدل على البعير. إذا مشيت في البر ورأيت بعرة عرفت أن بعيرًا مرَّ، لم تقل مر صقر أو حمامة، قال: البعرة تدل على البعير، وأثر القدم يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا تدل على العليم الخبير؟!

فقال ذلك الملحد لهذا العاقل: هل تؤمن أن الله موجود؟ قال: نعم. فسأله عن إدراك ربه بالحواس الخمس. قال: هل رأيت ربك؟ قال: لا. قال: هل سمعته؟ قال: لا. قال: هل ذقته؟ هل لمسته هل شممته؟ قال: لا. قال: إذن ربك غير موجود.

فقال له المؤمن: هل عندك عقل؟ قال: نعم. قال: هل رأيت عقلك؟ قال: لا. قال: هل شممت عقلك؟ قال: لا. قال: هل ذقت عقلك؟ هل لمست عقلك؟ هل سمعت عقلك؟ قال: لا. قال: إذن ليس لك عقل. قال: بلى؛ لي عقل لأني أرى آثار عقلي، أرى أني أتصرف بعقل، وأتكلم بعقل، إذن لما رأيت اّثار عقلي عرفت أنه موجود. قال: فكذلك ربنا جل في علاه. وحاجج بعض المسلمين ملحدًا بقصة شبيهة لهذه القصة، لكنه قال له: هل تحب زوجتك؟ قال ذلك الملحد: نعم. قال: صف لي هذا الحب، كيف شكله ولونه؟ قال: لا أدري، قال: هل رأيته أو لمسته أو شممته؟ قال: لا.. قال: فبم تعرفه؟ قال: بآثاره، قال: فكيف تستغرب حين نقول: إننا نعرف وجود الله بآثاره ونعمه ومخلوقاته؟ فبُهت الذي كفر.

أيها الناس: لو شاء ربنا سبحانه وتعالى لرأيناه ولسمعناه، والمؤمن سيسمع ربه يوم القيامة، وسوف يرى ربه يوم القيامة؛ لكننا عرفنا ربنا اليوم بآياته ومخلوقاته، وهو جل وعلا الذي جعل في فطرنا جعل الإيمان به وحده لا شريك له، كما قال الله -سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ ﴿١٧٢﴾ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ﴾ [الأعراف:172-173].

جعل الله تعالى في فطرنا على الإيمان به وحده لا شريك له، والطفل لو سلم من شياطين الجن والإنس لنشأ على عقيدة التوحيد، وعلى عبادة الله وحدة لا شريك له؛ لذلك أرسل الله تعالى الرسل مبشرين ومنذرين، لم يرسل الله تعالى الرسل ليقنعوا الناس بأنه يوجد إله اسمه الله، لا؛ فهذا في فطر الناس يعلمونه ويدركونه، انما الرسل يبشرون المؤمنين بالجنة وينذرون المخالفين من النار، ويعلمون الناس كيف يصلون وكيف يتعبدون لربهم الذي استقر في قلوبهم انه موجود وحده لا شريك له.

اسأل الله تعالى ان يُمَكن الإيمان في قلوبنا، وأن يعيذنا من الشرك و الإلحاد.

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله الجليل العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروا وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له تعظيما لشانه، وأشهد ان محمدا عبده ورسوله الداعي الى رضوانه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله واخوانه وخلانه، ومَن سار على نهجه واقتفى اثره واستن بسنته الى يوم الدين.

أما بعد..

ايها الاخوة الكرام، إن مما يوقع عددا من الناس فيما يتعلق بالإلحاد أو إنكار وجود ربنا جل وعلا أن بعضهم يدخل في حوارات مع الملحدين وهو لا يملك بضاعة يستطيع أن يرد بها الشبهات عن نفسة.

ولقد بدأ بعض الشباب يدخلون في حوارات ونقاشات مع أقوام إما مع أهل البدع، سواء من الشيعة او غيرهم، أو أحيانا من الملحدين وما شابههم، فلكونه لا يملك الأهلية للمناظرة، ولم تكتمل بُنيته العلمية في المسائل التي يناقش فيها، فربما خلص إلى قلبه شيء من هذه البدع فلا يستطيع أن يردها عن قلبة فأحدث فيه شُبهة وظلمة؛ لذلك نهى أهل العلم عن محاورة أهل البدع أمام العامة.

لذلك لا ينبغي للإنسان من خلال هذه المواقع وغيرها أن يدخل على شيء من هذه المنتديات أو أن يناقش أهلها ويناظرهم إلا إذا كان أهلا لذلك وعنده معلومات تامة فيما يحاورهم فيه، أما أن يدخل في حوار وهو لا يعلمه فلا ينبغي له ذلك.

أيها الأحبة: وكلما تعلم الانسان أسماء الله الحسنى وصفاته العلى وتعرف على خالقه جل وعلا أيقن أن الايمان بالله وحده إذا استقر في قلبه حماه الله تعالى من صنوف الإلحاد والبدع، ومَن كان بالله أعرف كان منه أخوف، القراءة في كتب العقيدة الاسلامية، معرفة صفات الله وأسمائه والتفكر فيها، معرفة ما يتعلق بالرد على أصحاب الشبهات من الملحدين وغيرهم، إذا تمكن هذا في قلب الانسان حماه الله تعالى بإذن الله تعالى من أن يزيغ قلبه.

ومما ينبغي التنبه له: أن يكثر المسلم من دعاء الله تعالى، وقد كان من دعاء المؤمنين قولهم: ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ﴾ [آل عمران:8]، وكان من دعاء إبراهيم ♠ وهو يبني البيت الحرام بأمر من الملك العلام أنه كان يقول: ﴿ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ﴾ [إبراهيم:35]، ومن يأمن البلاء بعد ابراهيم؟ وقالت عائشة رضي الله عنها: «كان أكثر دعاء النبي ﷺ أنه كان يقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»[2].

أسأل الله تعالى أن يثبت قلوبنا على دينه، اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم اجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، سِلْمًا لأوليائك، حربا على أعدائك، نحب بحبك مَن أحبك، ونعادي بعداوتك من خالفك، يا ذا الجلال والاكرام.

اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام، على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة