روى البخاريُّ في (صحيحه) ثلاثة أحاديث:
الأول: عن قتادة، قال: سألت أنس بن مالك رضي الله عنه: مَن جمع القرآن على عهد النبي ﷺ؟ قال: «أربعة، كلهم من الأنصار: أُبَيُّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد»[1].
الثاني: عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: «مات النبيُّ ﷺ ولم يجمع القرآنَ غيرُ أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت وأبو زيد، قال: ونحن وَرِثْنَاه»[2].
الثالث: عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «خُذُوا القرآنَ من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأُبي بن كعب»[3].
وقد يُستدل بهذه الأحاديث على أن الذين يحفظون القرآن هم: عبد الله بن مسعود، وسالم بن معقل مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأُبَيُّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو زيد بن السكن وأبو الدرداء.
وهذا يُخالف ما هو معلوم أنَّ الذين يحفظون القرآن من الصحابة جمٌّ غفير، وليس محصورًا بهذا العدد.
والجواب عن هذا الإشكال من وجوه:
الأول: أنَّه لا يُراد بهذه الأحاديثِ الحَصْرُ، وإنما يُراد بها ضربُ المَثَل، ويشهد لهذا أنَّ أَنَسًا نفسه ذكر في حديث (أُبي بن كعب) وفي حديثٍ آخر (أبا الدرداء)، فلو كان المراد الحصر لاتَّفقت الأسماء في الحديثين.
الثاني: أن المراد بالجمع الكتابة لا الحفظ.
الثالث: أن المراد بالجمع حفظه بوجوهِ القراءات كلها.
الرابع: أن المراد بالجمع تلقِّيه كله مِن فَمِ الرسول ﷺ.
الخامس: أن المراد أنهم هم الذين عَرَضوه على النبي ﷺ واتصلت بنا أسانيدهم، وأمَّا مَن حفظه ولم يتصل بنا سندُه فكثير[4].
قال المازري رحمه الله: (وقد تَمَسَّك بقول أنس هذا جماعة من الملاحدة، ولا متمسَّك لهم فيه؛ فإنَّا لا نُسَلِّم حملَه على ظاهره، سلمناه، ولكن مِن أين لهم أنَّ الواقع في نفس الأمر كذلك؟ سلمناه، لكن لا يلزم من كون كلٍّ من الجَمِّ الغفير لم يحفظه كلَّه، ألا يكون حَفِظَ مجموعَه الجَمُّ الغفيرُ، وليس مِن شرط التواتر أن يحفظ كلُّ فردٍ جميعَه، بل إذا حفظ الكلُّ الكُلَّ ولو على التوزيع كفى)[5].