حجم الخط:

[أحوال الناظرين في القرآن]

والناظرُ في هذا القرآنِ الكريمِ لا يخلو من حالتينِ[1]:

الأولى: ألَّا يكونَ ممن أُوتوا قوةَ المعرفةِ للفصلِ بينَ درجاتِ الكلامِ، والتفريقِ بينَ البليغِ والأبلغِ والفصيحِ والأفصحِ.

الثانيةِ: أن يكونَ قد أُوتِيَ حظًّا من التمييزِ بين الأساليبِ، ومعرفةِ درجاتِ البلاغةِ والفصاحةِ.

فإن كنتَ من الفئةِ الأولى: فلا سبيلَ لكَ لمعرفةِ إعجازِ القرآنِ وبلاغتِه بحسِّك وذوقِك، وإنما سبيلُك أن تقنعَ بشهادةِ أهلِ الخبرةِ والمعرفةِ، وهم هنا أهلُ الفصاحةِ والبلاغةِ، والبيانِ والبديعِ، وأعلمُهم بذلكَ سليقةً، وأجودُهم فطرةً، وأتقنُهم تربيةً وسماعًا، هم من نزلَ عليهم القرآنُ، وأولئك قد أقرُّوا بذلك في مشاهدَ عديدةٍ، وأقوالٍ كثيرةٍ، فهذا الوليدُ بنُ المغيرةِ يقولُ لمن أنكرَ عليه سماعَه للقرآنِ وتأثرَه به: (واللهِ ما فيكم رجلٌ أعلمُ بالأشعارِ مني، ولا أعلمُ برجزِه ولا بقصيدِه مني، ولا بأشعارِ الجنِّ، واللهِ ما يشبهُ الذي يقولُ شيئًا من هذا، وواللهِ إن لقولِه الذي يقولُ لحلاوةً، وإن عليه لطلاوةً، وإنه لمثمرٌ أعلاه، مغدقٌ أسفلُه، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه لَيَحْطِمُ ما تحتَه.

قالَ: لا يرضى عنك قومُك حتى تقولَ فيه، قالَ: فدعني حتى أفكرَ، فلما فكرَ قالَ: هذا سحرٌ يُؤْثَرُ، يأثرُه عن غيرِه) فنزلتْ: ﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا [المدثر: 11].

وقد وصفَ اللهُ تفكيرَه بقولِه: ﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ١٨ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ١٩ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ٢٠ ثُمَّ نَظَرَ ٢١ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ٢٢ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ ٢٣ فَقَالَ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ٢٤ إِنْ هَٰذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ٢٥ [المدثر: 18 - 25].

قالَ الدكتورُ محمدُ عبدِ اللهِ درازٍ: (فانظرْ تصويرَ القرآنِ للجهدِ العنيفِ الذي بذلَه الرجلُ في إصدارِ حكمِه الثاني، حيث يقولُ: ﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ، ﴿ ثُمَّ نَظَرَ ٢١ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ٢٢ ، ومعنى هذا كلِّه أنه كانَ يقاومُ فطرتَه، ويستكرهُ نفسَه على مخالفةِ وجدانِه، وأنه كانَ في حيرةٍ وضيقٍ بما يقولُ.. وأخيرًا استطاعَ أن يقولَ ما قال نزولًا على إرادةِ قومِه.

وانظرِ الفرقَ بين هذا الحكمِ المصطنعِ وبين حكمِ البديهةِ العربيةِ في قولِه أولَ مرةٍ: إنه يعلو وما يعلى وإنه يحطمُ ما تحتَه.

هذه شهادةُ أهلِ اللغةِ نفسِها، وهي شهادةُ خصمٍ، والفضلُ ما شهدتْ به الأعداءُ.

وإذا لم ترَ الهلالَ فسَلِّمْ

لأناسٍ رأوه بالأبصارِ)

وإن كنتَ من الفئةِ الثانيةِ، وهم الذين أوتوا حظًّا من تذوقِ البيانِ، وشيئًا من إدراكِ الفصاحةِ والبلاغةِ، فدونك نصوصَ البلغاءِ، وأبياتَ الشعراءِ، وكلماتِ الخطباءِ، اخترْ منها ما شئتَ من أرقى عصورِ البلاغةِ، وأعلى صورِ البيانِ، ثم انظرْ في آيةٍ من آياتِ القرآنِ، ستجدُ البَوْنَ شاسعًا، والفرقَ كما بينَ الثَّرى والثُّريَّا، أو السماءِ والأرضِ.

فإن قلتَ: نعمْ، لقد نثرتُ كنانةَ الكلامِ بينَ يديِّ وعجمتُ سهامَها، فما وجدتُ كالقرآنِ أصلبَ عودًا، ولقد وردتُ مناهلَ القولِ، وتذوقتُ طعومَها فما وجدتُ كالقرآنِ أعذبَ موردًا، وقد آمنتُ أنه كما وصفتموه، غيرَ أن الذي أحسُّ به من ذلك معنًى يتجمجمُ في الصدرِ لا أحسنُ تفسيرَه ولا أملكُ تعليلَه، فهل من سبيلٍ إلى عرضِ شيءٍ من ذلك علينا؛ لتطمئنَّ به قلوبُنا، ونزدادَ إيمانًا إلى إيمانِنا؟

قلنا: إن هذا أمرٌ جسيمٌ، ومرامٌ بعيدٌ، لا يمكنُ رسمُه في هذه العُجالةِ ولو طالتْ، ولعلَّنا نذكرُ ما يقربُ البعيدَ ويدنيه.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة