واستدلَّ الجمهورُ على صحةِ الاحتجاجِ بمفهومِ المخالفةِ بأدلةٍ، منها:
أولًا: لما نزلَ قولُه تعالى: ﴿ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ ﴾ [التوبة: 80]، قالَ الرسولُ ﷺ: «إني خُيِّرْتُ فاخترْتُ، وقد قِيلَ لي: ﴿ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ ﴾، فلو أنِّي أعلمُ أني إن زدْتُ على السبعينَ غفرَ له لزدْتُ»[1].
وفي روايةٍ: «قد خيرَني ربي، فواللهِ لأزيدنَّ على السبعينَ»[2]، ففهمَ الرسولُ ﷺ أنَّ ما زادَ على السبعينَ بخلافِ السبعينَ[3].
ثانيًا: في قولِه تعالى: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ۚ ﴾ [النساء: 25]، فمنطوقُ الآيةِ أنه يباحُ لمن لم يستطعِ الزواجَ من الحرةِ أن يتزوجَ أمةً، والمفهومُ أن من يستطيعُ أن يتزوجَ حرةً فلا يجوزُ له أن يتزوجَ أمةً.
وقد أجمعَ العلماءُ على ذلك، واشترطوا لإباحةِ الزواجِ من أمةٍ عدمَ القدرةِ على الزواجِ من حرةٍ؛ احتجاجًا بمفهومِ المخالفةِ في هذه الآيةِ[4].
ثالثًا: استدلوا بما ذهبَ إليه ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما من عدمِ توريثِ الأختِ مع البنتِ؛ احتجاجًا بمفهومِ المخالفةِ من قولِه تعالى: ﴿ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ ﴾ [النساء: 25][5]، فالمفهومُ أنه إذا كانَ له ولدٌ (ابنٌ أو بنتٌ)، فإنَّ الأختَ لا ترثُ.
رابعًا: استدلوا بما رويَ أن يعلى بنَ أميةَ قالَ لعمرَ بنِ الخطابِ رضي الله عنه: ما بالنا نقصرُ وقد أَمِنّا، وقد قالَ اللهُ تعالى: ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ ﴾ [النساء: 101]؟ فقالَ عمرُ: لقد عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألْتُ رسولَ اللهِ ﷺ عن ذلك، فقال لي: «هي صدقةٌ تصدقَ اللهُ بها عليكم، فاقبلوا صدقتَه».
فمنطوقُ الآيةِ أن الصلاةَ تُقْصَرُ في حالةِ الخوفِ والمفهومِ ألَّا تقصرَ في حالةِ الأمنِ، وهذا ما فهمَه يعلى وفهمَه عمرُ رضي الله عنه قبلَه.
خامسًا: ومن الأدلةِ العقليةِ[6]:
أنه لو كانتِ الصلاةُ تقصرُ في حالةِ الأمنِ وحالةِ الخوفِ، لما كانَ في ذكرِ الخوفِ في الآيةِ فائدةٌ؛ لأنها تقصرُ بدونِه، فدلَّ ذكرُه على أن عدمَه يؤثرُ في الحكمِ تأثيرًا مخالفًا، وهكذا في بقيةِ الأمثلةِ.