حجم الخط:

[التفسير بخلاف التأويل]

وقالتْ طائفةٌ: إنَّ بين التفسيرِ والتأويلِ فرقًا.

ثمَّ اختلفُوا:

1- فمنْهُم من يرى أنَّ الاختلافَ بالعمومِ والخصوصِ.

أ- فقالَ بعضُهم: إنَّ التفسيرَ أعَمُّ من التأويلِ.

قال الراغبُ الأصفهانيُّ: (التفسيرُ أعمُّ من التأويلِ، وأكثرُ استعمالِه في الألفاظِ ومفرداتِها، وأكثرُ استعمالِ التأويلِ في المعاني والجُمَل كتأويلِ الرؤيا، وأكثرُ ما يُسْتَعْمَلُ يعني: التأويلَ- في الكُتبِ الإلهيةِ، والتفسيرِ يستعملُ فيها وفي غيرِهَا)[1].

ب- وقال بعضُهُمْ: إنَّ التأويلَ أعمُّ لجريانِهِ في الكلامِ وغيرِهِ؛ يُقال: تأويلُ الكلامِ كذا، وتأويلُ الأمرِ كذا، أيْ: ما يئولان إليه... بخلافِ التفسيرِ فإنه يَخُصُّ الكلامَ ومدلولَهُ، يُقالُ: تفسيرُ الكلامِ كذَا، والقضيةِ كذَا[2].

2- ومنْهُم من يرى أنَّ الاختلافَ بينهما بالتباينِ.

ثم اختلفُوا:

أ- فقيل: التفسيرُ هو القطعُ بأنَّ مُرادَ اللهِ كذَا، والتأويلُ ترجيحُ أحدِ المحتملاتِ بدونِ قطعٍ، وهذا قولُ الماتريديِّ[3].

ب- ومنْهُم من قال: التفسيرُ ما يتعلَّق بالروايةِ، والتأويلُ ما يتعلَّق بالدرايةِ.

قال الخازنُ: (الفرقُ بين التفسيرِ والتأويلِ: أنَّ التفسيرَ يتوقفُ علَى النقلِ المسموعِ، والتأويلُ يتوقفُ على الفهمِ الصحيحِ)[4].

مثالُ التفسيرِ: قولُه تعالى: ﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [الحجرات: 9] همَا الأوسُ والخزرجُ، وقولُه تعالى: ﴿ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ [الفتح: 16] هم فارس وأهلُ اليمنِ، وقولُه تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [البقرة: 204] هو الأخنسُ بن شَريقٍ، وقولُه تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ [البقرة: 207] هو صُهيبٌ، فهذا ونحوُه منَ التفسيرِ، ولا يُتَكَلَّمُ فيه إلا بالسماعِ.

ومثالُ التأويلِ: قولُه تعالَى: ﴿ انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا [التوبة: 41]، قال بعضُهم: أيْ: شبانًا وشيوخًا.

وقال آخرون: أي: فقراء وأغنياء، وقال قوم: أيْ: عزبانًا ومتأهلين، وقال جماعة: أي: أصحَّاء ومرضى، وقالت طائفة: أي نشاطًا وغير نشطاء، فهذا منَ التأويلِ، وكلُّه جائزٌ مقبولٌ، ولا بأس بالقولِ به بما يوافقُ الأصولَ، ولم يخالفِ العقولَ[5].

جـ- وقيل: علمُ التفسيرِ للخلقِ، وعلمُ التأويلِ للحقِّ، قال تعالى: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ [آل عمران: 7] وهو فيما يرجعُ إلى الغيبِ الذي أبهمَهُ اللهُ تعالى، كالساعةِ متى وقوعُها وأشراطُها ومتى ظهورُها؟

د- وقال أبو طالب الثعلبيُّ: (التفسيرُ بيانُ وضعِ اللفظِ إما حقيقةً أو مجازًا، كتفسير الصراطِ بالطريقِ، والصَيِّبِ بالمطرِ، والتأويلُ تفسيرُ باطنِ اللفظِ مأخوذٌ من الأوْلِ، وهو الرجوعُ لعاقبة الأمرِ، فالتأويلُ إخبارٌ عن حقيقةِ المرادِ، والتفسيرُ إخبارٌ عن دليلِ المرادِ؛ لأنَّ اللفظَ يكشفُ عن المرادِ، والكاشفُ دليلٌ، مثالُه قولُه تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر: 14] تفسيرُه: أنَّه من الرَّصْد، يُقالُ: رَصَدْتُهُ: رَقَبْتُهُ، والمرصادُ مفعالٌ منه، وتأويلُهُ التحذيرُ من التهاونِ بأمرِ اللهِ، والغفلةِ عن الأهبّة، والاستعدادِ للعرضِ عليهِ)[6].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة