حجم الخط:

[تمهيد]

كانَ الصحابةُ رضي الله عنهم يفهمونَ القرآنَ الكريمَ بمقتضى السليقةِ واللسانِ العربيِّ، وإذا أشكلَ عليهم معنى، سألُوا الرسولَ ، فبَيَّنَه لهم، وكانوا رضي الله عنهم يجتهدونَ في استنباطِ معاني ودلالاتِ بعضِ الآياتِ القرآنيةِ، ويتفاوتون في ذلك نَتِيجَةَ تفاوتِهم في معرفةِ أسبابِ النزولِ، وما أحاطَ بالآياتِ من أحداثٍ ومُلابساتٍ، فضلًا عن تفاوتِ القُدُراتِ العقليةِ، شأنُهم شأنُ البشرِ؛ ولذا فقدْ كانَ يقعُ بينهم اختلافٌ في التفسيرِ، إلَّا أنَّ هذا الاختلافَ كانَ قليلًا جدًّا بين الصحابةِ؛ لأمورٍ، منها:

1- وجودُ الرسولِ بينَهم، ورجوعُهم إليهِ إذا وُجِدَ بينَهم خلافٌ، فقد كان يجلُوه لهم؛ حتَّى لا يبقَى له أثرٌ.

2- أنَّ الرسولَ كان ينهاهم عمَّا يؤدِّي إلى الاختلافِ في القرآنِ؛ كما روى عمرُو بنُ شعيبٍ، عنْ أبيهِ، عن جدِّهِ: أن نفرًا كانوا جلوسًا ببابِ النبيِّ فقال بعضُهم: ألم يقلِ اللهُ كذا وكذا؟ وقال بعضُهم: ألم يقلِ اللهُ كذا وكذا؟ فسمعَ ذلك رسولُ اللهِ ، فخرجَ، فكأنما فُقِئَ في وجهِهِ حبُّ الرُّمان، فقالَ: «أبهذا أمِرْتُم؟ أو بهذا بُعِثْتم أن تضربوا كتابَ اللهِ بعضَهُ ببعضٍ؟ إنَّما ضلَّت الأُممُ قبلَكم في مثلِ هذا، إنكم لستم مما ههنا في شيءٍ، انظروا الذي أمِرْتُم به، فاعملوا به، والذي نُهيتُم عنه، فانتهوا عنه»[1].

3- سعةُ علمِ الصحابةِ الشرعيِّ، ومعرفتُهم لِلُّغَةِ العربيةِ وأساليبِها ومعانيها؛ مما يَسَّرَ لهم معرفةَ كثيرٍ منَ الآياتِ بمقتضَى اللسانِ العربيِّ.

4- تأثيرُ العَصْرِ عليهم، فإنَّ للعصرِ تأثيرَه على أبنائِه، ومنَ المعلومِ أنَّ عصرَ الصحابةِ هو خيرُ العصورِ؛ ولذا قالَ ابنُ تيميةَ رحمه الله: (كانَ النزاعُ بين الصحابةِ في تفسيرِ القرآنِ قليلًا جدًّا، وهوَ وإن كان في التابعينَ أكثرَ منهُ في الصحابةِ، فهوَ قليلٌ بالنسبةِ إلى ما بعدَهم، وكُلَّمَا كانَ العصرُ أشرفَ، كانَ الاجتماعُ والائتلافُ والعلمُ والبيانُ فيه أكثرَ)[2].

ولهذا نرى الاختلافَ يزدادُ والرقعةَ تتسعُ كلَّما امتدَّ الزمانُ.

ومعَ قلةِ الاختلافِ بينَ الصحابةِ في تفسيرِ القرآنِ الكريمِ، فإنَّ أغلبَهُ يرجعُ إلى اختلافِ التنوُّعِ، لا إلى اختلافِ التضادِّ، وهو أيسرُ أنواعِ الاختلافِ.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة