حجم الخط:

[مجالات التربية بالقصة]

والقصصُ بهذا من أهمِّ وسائلِ التربيةِ القرآنيةِ توجيهًا وتعليمًا وترسيخًا للعقيدةِ الصحيحةِ، وقد جاءتِ التربيةُ في القرآنِ الكريمِ ملائمةً لعناصرِ القصةِ الثلاثةِ: (الأحداثِ) (الشخصياتِ) (الحوارِ)، فجاءتِ التربيةُ بالقصةِ القرآنيةِ على ثلاثةِ محاورَ[1].

التربيـةُ بالأحـداثِ:

وتُعْرَفُ هذه التربيةُ بقوةِ تأثيرِهَا، وشدَّةِ سيطرتِهَا علَى النفسِ؛ لأنَّها تثيرُ الانتباهَ الذي يجمعُ الفاعليةَ النفسيةَ حول ظاهرةٍ ما عن طريقِ الحسِّ وطريقِ التأملِ، كما في قولِه تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ ۚ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا ۚ بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا ﴾ [الفرقان: 40].

كما تثيرُ الخوفَ من وقوعِ العقابِ المماثلِ، كما مَرَّ بنا أن عتبة بن ربيعة وضع يدَهُ على فمِ الرسولِ ﷺ حينَ قرأَ: ﴿ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ﴾ [فصلت: 13]؛ لعلمِهِ أنه وعيدٌ صادقٌ، فإذا كانتْ هذه صورة من وقعَ الإنذارُ بالأحداثِ على قلبٍ لم يؤمنْ، فكيفَ بوقعِهِ على قلوبِ المؤمنينَ؟!

التربيـةُ بالشخصيـةِ:

والقصصُ القرآنيُّ يجسدُ شخصياتٍ مثاليةً، فالأنبياءُ جعلَ منهم القرآنُ نماذجَ إنسانيةً عاليةً، ومع ذلكَ كانَ يشيرُ إلى ما يُلمُّ ببعضِهِم عليهم السلام من لحظاتِ الضعفِ البشريِّ دونَ مداراةٍ؛ حتى لا يغلوَ بهم أحدٌ إلى رتبةِ الألوهيةِ -صنيع بعضِهم في عيسى عليه السلام- رغمَ كمالاتِهم؛ ليعرضَ النفسَ البشريةَ كما هي في قوتِها وضعفِهَا.

التربيةُ بالحوارِ:

وأكثرُ ما يكونُ ذلك في القصصِ الطويلةِ التي تتسعُ للجدلِ، والقرآنُ يختارُ من هذا الجدالِ لقطاتٍ من الأقوالِ الموحيةِ، فيصوغُهَا في عباراتٍ موجزةٍ بليغَةٍ، تفيضُ حكمةً ورشدًا فيما يجري على ألسنةِ الهداةِ ودعاةِ الحقِّ الذين يسلكون في الحوارِ مسلكَ الحكماءِ، أو ضلالًا وزيفًا فيما تنضحُ به القلوبُ المريضةُ والنفوسُ المنحرفةُ، كحواراتِ إبراهيمَ عليه السلام مع قومهِ ومع أبيهِ ومع الملكِ، وحوارِ موسى عليه السلام مع فرعون، وغيرِ ذلكَ.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة