ونستطيعُ أنْ نُرْجِعَ اختلافَ السلفِ في التفسيرِ إلى أنواعٍ معدودةٍ، منها:
الأول: أنْ يُعبِّرَ كُلُّ واحدٍ منَ المفسِّرين عنِ المعنى المرادِ بعبارةٍ غيرِ عبارةِ صاحبِهِ، تدلُّ على معنًى في المُسَمَّى غير المعنى الآخرِ معَ اتحادِ المُسَمَّى.
ومثالُ ذلكَ: تفسيرُ (الصراط المستقيم)، فقدْ قالَ بعضُهم: هو القرآنُ، وقيلَ: الإسلامُ، وقيلَ: هو السنةُ والجماعةُ، وقيلَ: العبوديةُ، وقيلَ: طاعةُ اللهِ ورسولِهِ.
فهذه الأقوالُ كلُّها تدلُّ على ذاتٍ واحدةٍ، لكنْ وصفَها كلٌّ منهم بصفةٍ من صفاتِها[1].
الثاني: أنْ يذكرَ كلُّ مُفسِّرٍ من الاسمِ العامِّ بعضَ أنواعِهِ على سبيلِ التمثيلِ، وتنبيه المستمعِ على النوعِ، لا على سبيلِ الحَدِّ المطابقِ للمحدودِ في عمومِهِ وخصوصِهِ.
ومثالُ ذلك: ما نُقِلَ في قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ ﴾ [فاطر: 32].
فمنَ المفسرين مَنْ قالَ: السابقُ الذي يُصلِّي في أوَّلِ الوقتِ، والمقتصدُ الذي يصلي في أثنائِهِ، والظالمُ لنفسِهِ الذي يؤخرُ العصرَ إلى الاصفرارِ.
ومنهم مَنْ قالَ: السابقُ والمقتصدُ والظالمُ قد ذكرَهم في آخرِ سورةِ البقرةِ، فإنَّهُ ذكرَ المحسنَ بالصدقةِ، والظالمَ بأكلِ الرِّبَا، والعادلَ بالبيعِ.
ومنهم مَنْ قالَ: السابقُ المحسنُ بأداءِ المستحبَّاتِ مع الواجباتِ، والظالمُ آكلُ الرِّبَا أو مانعُ الزكاةِ، والمقتصدُ الذي يؤدِّي الزكاةَ المفروضةَ ولا يأكلُ الرِّبَا، وأمثال هذه الأقاويلِ[2].
فكلُّ قولٍ من هذهِ الأقوالِ إنما يذكرُ نوعًا ممَّا يتناولُهُ نَصُّ الآيةِ؛ لتعريفِ المستمعِ وتنبيهِهِ على نظائِرِهِ، ولا يُضادُّ ما ذكرَهُ غيرُهُ.
الثالثُ: ما يكونُ فيه اللفظُ محتملًا للأمرينِ:
ومثالُهُ: لفظُ (قَسْوَرَة) فإنهُ يُرادُ بها الرَّامي، ويُرادُ بها الأسدُ.
ولفظُ (عَسْعَسَ) يُرادُ به إقبالُ الليلِ وإدبارُهُ.
ولفظُ (القَرْء) يُرادُ به الحيضُ والطهرُ.
الرابعُ: أن يُعبِّرُوا عنِ المعانِي بألفاظٍ متقاربةٍ.
ومثالُهُ أنْ يفسرَ أحدُهُمْ قولَهُ تعالَى: ﴿ أَنْ تُبْسَلَ ﴾ [الأنعام: 70][3] بـ(تُحْبَسَ)، ويقولُ الآخرُ: (تُرْتَهَنُ)، ونحو ذلك.
وكلُّ هذه الأنواعِ منَ اختلافِ التنوعِ، وليسَتْ منَ اختلافِ التضادِّ، وهوَ اختلافٌ لا ضررَ فيهِ.
قالَ الزركشيُّ: (يكثرُ في معنَى الآيةِ أقوالُهُم واختلافُهم، ويحكِيهِ المصنفون للتفسيرِ بعباراتٍ متباينةِ الألفاظِ، ويظنُّ مَن لا فهمَ عندَهُ أنَّ في ذلكَ اختلافًا فيحكيه أقوالًا، وليسَ كذلكَ، بلْ يكونُ كلُّ واحدٍ منهم ذكرَ مَعْنًى ظهرَ منَ الآيةِ، وإنَّما اقتصرَ عليه؛ لأنَّه أظهرُ عندَ ذلك القائلِ، أو لكونِهِ أليقَ بحالِ السائلِ، وقد يكونُ بعضُهم يُخبرُ عنِ الشيءِ بلازمِهِ ونظيرِهِ، والآخرُ بمقصودِهِ وثمرتِهِ، والكلُّ يَؤُولُ إلى مَعْنىً واحدٍ غالبًا، والمرادُ الجميعُ، فَلْيُتَفَطَّنْ لذلكَ، ولا يُفهمْ منَ اختلافِ العباراتِ اختلافُ المراداتِ كما قيلَ:
| عباراتُنَا شتَّى وحسنُك واحدٌ |
| وكلٌّ إلى ذاكَ الجمالِ يُشِيرُ[4] |