أنَّ وجهَ الإعجازِ في القرآنِ الكريمِ هو: نظمُه:
ومن أدلةِ أصحابِ هذا القولِ قولُه تعالى: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ﴾ [هود: 13]، فحينَ زعمَ الكفارُ أنَّ أخبارَ القرآنِ افتراءٌ وكذبٌ، قطعَ جدلَهم بأن طلبَ منهم على التسليمِ بأنَّه مفترًى، أن يأتوا بعشرِ سورٍ في نظمِهِ وأسلوبِه، لا صدقِ خبرِهِ حسبَ زعمِهم.
فالتحدِّي هنا بالنظمِ لا بالأخبارِ، فضلًا عنِ الأدلةِ الأخرى الكثيرةِ على إدراكِ العربِ بذوقِهم لإعجازِ القرآنِ في نظمِه واستيلائِه على ألبابِهم.
وقالَ بهذا الإعجازِ عددٌ منْ أئمةِ اللغةِ والبيانِ كالواسطيِّ، والجاحظِ الذي ألفَ كتابًا عن نظمِ القرآنِ، ومنهم الجرجانيُّ والخطابيُّ وغيرُهم.
وقد فسَّر الخطابيُّ هذا الوجهَ بقولِه: (وإنما تعذرَ على البشرِ الإتيانُ بمثلِه لأمورٍ منها: أنَّ علمَهم لا يحيطُ بجميعِ أسماءِ اللغةِ العربيةِ وبألفاظِها التي هي ظروفُ المعاني والحواملُ، ولا تدركُ أفهامُهم جميعَ معاني الأشياءِ المحمولةِ على تلك الألفاظِ، ولا تكملُ معرفتُهم لاستيفاءِ جميعِ وجوهِ النظومِ التي بها يكونُ ائتلافُها وارتباطُ بعضِها ببعضٍ، فيتوصلوا باختيارِ الأفضلِ عنِ الأحسنِ من وجوهِها إلى أن يأتُوا بكلامٍ مثلِه، وإنَّما يقومُ الكلامُ بهذه الأشياءِ الثلاثةِ:
1- لفظٌ حاملٌ.
2- ومعنًى به قائمٌ.
3- ورباطٌ لهما ناظمٌ.
وإذا تأملتَ القرآنَ وجدتَ هذه الأمورَ منه في غايةِ الشرفِ والفضيلةِ، حتى لا ترى شيئًا من الألفاظِ أفصحَ ولا أجزلَ ولا أعذبَ من ألفاظِه، ولا ترى نظمًا أحسنَ تأليفًا وأشدَّ تلاؤمًا وتشاكلًا من نظمِه، وأما المعاني فلا خفاءَ على ذي عقلٍ أنها هي التي تشهدُ لها العقولُ بالتقدمِ في أبوابِها، والترقي إلى أعلى درجاتِ الفضلِ من نعوتِها وصفاتِها.
وقد توجهُ هذه الفضائلُ الثلاثُ على التفرقةِ في أنواعِ الكلامِ، فأما أن توجدُ مجموعةٌ في نوعٍ واحدٍ منه، فلم توجدْ إلا في كلامِ العليمِ القديرِ الذي أحاطَ بكلِّ شيءٍ علمًا، وأحصى كلَّ شيءٍ عددًا).
ثم ذكرَ بعضَ ما احتوى عليه القرآنُ في أحكامِ التوحيدِ والعبادةِ، والتحليلِ والتحريمِ، والأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ، والأمرِ بمحاسنِ الأخلاقِ والزجرِ عن مساوئِها، ثم قالَ: (ومعلومٌ أن الإتيانَ بمثلِ هذه الأمورِ والجمعَ بينَ شتاتِها حتى تنتظمَ وتتسقَ - أمرٌ تعجزُ عنه قوى البشرِ، ولا تبلغُه قُدَرُهم، فانقطعَ الخلقُ دونه، وعجزوا عن معارضتِه بمثلِه أو مناقضتِه في شكلِه)[1].