حجم الخط:

أهميةُ علم الوجوه والنظائر:

ثراءُ اللغةِ العربيةِ وشمولُهَا ليسَ نتاجَ جملتِها ومجموعِ ألفاظِها فحسبُ، بل ثراء مفرداتِها، إذْ إنَّ كثيرًا منْ مفرداتِ اللغةِ العربيةِ ثريَّةٌ بالمعانِي والمدلولاتِ المتعددةِ والمختلفةِ، بحيثُ يمكنُ التعبيرُ بلفظٍ واحدٍ عنْ معانٍ مختلفةٍ، فضلًا عنْ أنَّ كلَّ معنًى منْ هذهِ المعانِي لهُ لفظٌ خاصٌّ بهِ، أوْ يدلُّ على معانٍ أخرى غيرِهِ.

وقدْ نزلَ القرآنُ بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ، فجاءَ تعبيرُهُ عنِ المعنى الواحدِ حينًا بألفاظٍ مختلفةٍ وعباراتٍ متنوعةٍ، وعبرَ بلفظٍ واحدٍ أيضًا عنْ معانٍ متعددةٍ، وفي هذَا -فضلًا عنِ الصورِ البيانيةِ والوجوهِ البلاغيَّةِ- دفعٌ للمللِ والسأمِ، وإظهارٌ للعبارةِ بمظهرِ الجِدَّةِ.

وتوسعَ القرآنُ الكريمُ في ذلكَ، وجاوزَ قدرةَ أهلِ اللغةِ أنفسِهم، وعجزوا عنْ مجاراتِهِ، فكانَ هذا كما قالَ الزركشيُّ منْ أنواعِ معجزاتِ القرآنِ الكريمِ[1].

وتظهرُ أهميةُ هذا العلمِ في معرفةِ مدلولِ الألفاظِ، وأنه لا يجوزُ لأحدٍ أن يفسرَ القرآنَ إلَّا إذا علمَ مدلولَ كلِّ لفظٍ، وعرفَ معناه، وأدركَ استعمالاتِ الألفاظِ، بلْ لا بدَّ من فهمِ ذلك وإدراكِه؛ لما يترتبُ عليه منَ اختلافٍ في فهمِ العقيدةِ الصحيحةِ، واستنباطِ الأحكامِ الشرعيةِ، وإلَّا فقدْ أخطأَ الفهمَ، وبعدَ عنِ الصوابِ، وتجرأَ على القولِ في القرآنِ بغيرِ علمٍ، ولهذا قالَ أبو الدرداءِ رضي الله عنه: «إنَّكَ لنْ تفقهَ كلَّ الفقهِ حتَّى ترى للقرآنِ وجوهًا» قال حمادٌ: (فقلتُ لأيوبَ: أهو أنْ يرَى له وجوهًا فيهابَ الإقدامَ عليهِ؟ قالَ: نعمْ، هو هذا)[2].

فمنْ لم يعرفِ الوجوهَ التي يحتملُها اللفظُ أخطأَ في فهمِ العقيدةِ الصحيحةِ، فالشركُ مثلًا وردَ في القرآنِ الكريمِ لمعانٍ مختلفةٍ، فقدْ وردَ:

1- بمعنَى الشركِ باللهِ الذي يعدلُ به غيرَهُ: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ [النساء: 36].

2- وبمعنَى الطاعةِ لغيرِ اللهِ منْ غيرِ عبادةٍ: ﴿ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ۚ [الأعراف: 190]، ﴿ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ [إبراهيم: 22].

3- والشركُ في الأعمالِ بمعنى الرياءِ.

قالَ تعالى: ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: 110].

فمنْ لمْ يدركْ هذه المعانيَ للشركِ، وقعَ في اللبسِ.

وكذَا في استنباطِ الأحكامِ الشرعيةِ، فالطعامُ -مثلًا- وردَ في القرآنِ لمعانٍ مختلفةٍ، منْهَا:

1- بمعنَى الطعامِ الذي يأكلُه الناسُ: ﴿ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا [الأحزاب: 35]، ﴿ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ [قريش: 4].

2- بمعنَى الشرابِ: ﴿ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا [المائدة: 93]، ﴿ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي [البقرة: 249].

3- بمعنَى الذبائحِ: ﴿ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ۖ [المائدة: 5].

4- بمعنَى السمكِ المملحِ: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ [المائدة: 96].

فمنْ لمْ يدركْ هذه الوجوهَ، لمْ يعرفِ الصوابَ، والتبسَ عليه الحقُّ بالباطلِ، ومنْ عرفَ هذه الوجوهَ، وأنَّ للكلمةِ أكثرَ من معنًى، تهيبَ الإقدامَ على التفسيرِ كمَا أشارَ أبو الدرداءِ رضي الله عنه.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة