والمرادُ بهذا الوجهِ: ذلكم (التشريعُ) الذي جاءَ به القرآنُ الكريمُ الشاملُ الكاملُ المحكمُ المتقنُ.
(شاملٌ) لكافةِ أوجهِ التشريعِ، سواءٌ ما يتعلقُ منها بالفردِ أو في المجتمعِ، وسواءٌ أكانَ في العقيدةِ، أو العبادةِ، أو المبادئِ والأخلاقِ، أو الاجتماعِ، أو الاقتصادِ، أو السياسةِ في السلمِ أو الحربِ، في السفرِ أو الحضرِ، في الليلِ أو النهارِ.
(كاملٌ) لاستيفائِه لدقيقِ المسائلِ وجليلِها، وصغيرِها وكبيرِها.
(محكمٌ متقنٌ) لا نقصَ فيه ولا عيبَ، ولا قصورَ ولا خللَ.
أحكمُ تشريعٍ، وأكملُ نظامٍ، عجزَ البشرُ -ولا زالوا عاجزين- عن الإتيانِ بمثلِ تشريعِه، أو الإتيانِ بمثلِ سياستِه أو نظامِه، فحينَ ننظرُ في التشريعاتِ البشريةِ والقوانينِ الوضعيةِ، نرى البونَ الشاسعَ بينَ هذا وذاك؛ ممَّا يكشفُ لنا وجهَ الإعجازِ التشريعيِّ في القرآنِ الكريمِ.
فهذا التشريعُ بشمولِه وكمالِه وإحكامِه أكبرُ من أن تحيطَ به العقولُ البشريةُ في جيلٍ واحدٍ، أو في مجموعةٍ من الأجيالِ، فضلًا عن أن يحيطَ به عقلٌ بشريٌّ واحدٌ في جيلٍ واحدٍ.
وليسَ من السهلِ أن نرسمَ في أسطرٍ معالمَ هذا التشريعِ المعجزِ، ولكنَّها إشارةٌ مجردَ إشارةٍ بأصبعٍ صغيرٍ إلى شيءٍ عظيمٍ، فنشيرُ إلى أنَّ القرآنَ نزلَ في مجتمعٍ جاهليٍّ سادَتْ فيه الجاهليةُ العقديةُ، والاجتماعيةُ، والاقتصاديةُ، والسياسيةُ، وليسَ من السهلِ في مثلِ هذا المجتمعِ نقدُ أمرٍ من أمورِها، فضلًا عن تغييرِه، أو قلبِ الأمورِ كلِّها، فسلكَ القرآنُ مسلكًا عجيبًا.