حجم الخط:

الترجيـحُ:

بادئَ ذي بدءٍ ينبغي أن نقرَّ ونعترفَ بأنه لا يمكنُ لأحدٍ الجزمُ بمعنى الأحرفِ السبعةِ، وإنما هي اجتهاداتٌ لا يسلمُ كلُّ قولٍ منها على كثرتِها من اعتراضاتٍ وإشكالاتٍ، وقد سُئِلَ الشيخُ محمدُ الأمينِ الشنقيطيُّ رحمه الله -صاحبُ أضواءِ البيانِ- عما ترجحَ لديه في معنى حديثِ الأحرفِ السبعةِ، فقالَ: الذي ترجحَ لديَّ أني لا أعرفُ معناه[1].

وقبلَه قالَ ابنُ الجزريِّ: (لا زلتُ أستشكلُ هذا الحديثَ، وأفكرُ فيه، وأمعنُ النظرَ من نيفٍ وثلاثين سنةً، حتى فتحَ اللهُ عليَّ بما يمكنُ أن يكونَ صوابًا إن شاءَ اللهُ)[2].

ولذا، فلا تطمعْ أن تجدَ هنا أكثرَ من ذلك، أو مثلِه، لكن هذا لا يعني أن الأقوالَ كلَّها على درجةٍ واحدةٍ من القربِ أو البعدِ عن الصوابِ، فمنها ما هو ظاهرُ الضعفِ، وهو ما ذكرناه من أقوالِ الطائفتين الأولى والثانيةِ، وهي أقوالٌ كثيرةٌ تقاربُ الثلاثين قولًا.

وإذا علمْنا أن أحاديثَ الأحرفِ السبعةِ تدلُّ على أمرين:

الأولِ: أن الأحرفَ السبعةَ في القراءةِ، وليسَ في المعنى.

الثاني: أن الحكمةَ منها التخفيفُ والتيسيرُ على الأمةِ والرحمةُ بهم.

ظهرَ لنا أن الصوابَ أقربُ إلى قولِ الطائفتين الثالثةِ والرابعةِ، وعلى هذا فإن هذين القولين هما الأقربُ للصوابِ، وهما قولان لا يتعارضان، بل يتداخلان، وتداخلُها يزيدُهما قوةً وظهورًا.

ولنا أن نقولَ: إن المرادَ بالأحرفِ السبعةِ هو: تغايرُ الألفاظِ مع اتفاقِ المعنى؛ كما قالَ أبو الفضلِ الرازيُّ، في سبعِ لغاتٍ من لغاتِ العربِ؛ كما قالَ ابنُ جريرٍ الطبريُّ.

قالَ ابنُ حجرٍ رحمه الله: (يمكنُ الجمعُ بينَ القولين بأنْ يكونَ المرادُ بالأحرفِ تغايرَ الألفاظِ معَ اتفاقِ المعنى مع انحصارِ ذلك في سبعِ لغاتٍ)[3].

وذلك أن اختلافَ القبائلِ العربيةِ فيما مضى كانَ يدورُ على اللهجاتِ في كثيرٍ من الحالاتِ، والتخفيفُ على الأمةِ بنزولِ القرآنِ على سبعةِ أحرفٍ يتحققُ بملاحظةِ اختلافِ اللهجاتِ، إذ إنَّ اختلافَ اللغةِ في جوهرِها أيسرُ من اختلافِ اللهجةِ، فقد يسهلُ على المرءِ أن ينطقَ بكلمةٍ من غيرِ لغتِه، ولا يسهلُ عليه أن ينطقَ بكلمةٍ من غيرِ لغتِه نفسِها بلهجةٍ غيرِ لهجتِه، وطريقةٍ في الأداءِ غيرِ طريقتِه[4].

أي: أنَّ القرشيَّ مثلًا يسهلُ عليه أن ينطقَ بلغةِ هذيلٍ في جوهرِها، لكنَّه يشقُّ عليه أن ينطقَ لغةَ هذيلٍ بلهجةِ أهلِها.

ولما كانتِ الأحرفُ بمعنى اللغاتِ، فإنَّ الوجوهَ التي ذكرتْها الطائفةُ الثانيةُ ليستْ إلا الفوارقَ بينَ اللغاتِ السبعِ التي نزلَ القرآنُ عليها.

وإنَّ حصرَ الفروقِ في سبعةٍ أمرٌ لا موجبَ له، ولو زادَتْ عن السبعةِ أو نقصَتْ لما كانَ مخالفًا لنصٍّ شرعيٍّ، طالما حققْنَا أنَّ الأحرفَ هيَ اللغاتُ السبعُ التي أُنْزِلَ القرآنُ وفقَها، فلا عبرةَ عندئذٍ لعددِ الفروقِ بينها سواءٌ أزادَتْ عن السبعةِ أم نقصَتْ[5].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة