حجم الخط:

الثالثُ: الأخبارُ الغيبيةُ عنْ أمورٍ مستقبلةٍ (غيبُ المستقبلِ):

وكثيرًا ما أخبرَ القرآنُ عنْ أمورٍ ستحدثُ في المستقبلِ، ووقعتْ كما جاءتْ في القرآنِ، فمن ذلك قولُهُ تعالى عن ظهورِ الإسلامِ وسيادتِه، وقدْ كانَ ذلك فيما بعدُ: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة: 33]، وعنِ القرآنِ أخبرَ أنهم لن يأتوا بمثلِهِ: ﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: 88]، وقالَ تعالَى: ﴿ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ٢٣ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة: 23 - 24]، وحتَّى الآنَ لم يأتِ أحدٌ بمثلِه، ولنْ يفعلَ أحدٌ ذلك.

ومنه قولُه تعالى عنِ الكفارِ: ﴿ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر: 45]، وقد نزلَتْ هذه الآيةُ وعائشةُ رضي الله عنها بمكةَ جاريةٌ تلعبُ[1]، وتحققُ ذلكَ فيما بعدُ، ومنه قولُه تعالَى: ﴿ الم ١ غُلِبَتِ الرُّومُ ٢ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ٣ فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ [الروم: 1 - 4]، وكقولِه تعالى: ﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ ۖ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح: 27]، ومنه قولُه تعالى عن أبي لهبٍ: ﴿ سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ، وعنِ امرأتِه: ﴿ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ [المسد: 34]، والخبرُ الغيبيُّ في هذا أنه أخبرَ أنَّهما في النارِ، ويقتضي هذا موتَهما على الكفرِ، وقدْ كانَ ذلك.

ومثلُهُ عنْ أبي جهلٍ[2]:﴿ خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَاءِ الْجَحِيمِ ٤٧ ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ ٤٨ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ٤٩ [الدخان: 4749]، فماتَ على كفرِه.

وكذلكَ أُبيُّ بنُ خلفٍ، قالَ عنه[3]:﴿ كَلَّا ۖ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ [الهمزة: 4] فماتَ على الكفرِ، والنَّضْرُ بنُ الحارثِ[4]:﴿ كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا ۖ فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [لقمان: 7]، والوليدُ بنُ المغيرةِ[5]:﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ [المدثر: 26].

ومعَ قوةِ هذا الوجهِ من الإعجازِ، وتحققِه في القرآنِ الكريمِ، إلَّا أنَّه لا يصحُّ الزعمُ بأنَّه وجهُ الإعجازِ في القرآنِ الكريمِ؛ لخلوِّ كثيرٍ منَ الآياتِ القرآنيةِ من الأخبارِ الغيبيةِ مع تحققِ الإعجازِ فيها.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة