الثاني: نسخُ القرآنِ بالسُّنَّةِ:
وهو نوعانِ:
1- نسخُ القرآنِ بالسنةِ الآحاديةِ:
وجمهورُ العلماءِ على عدمِ جوازِه؛ لأنَّ القرآنَ متواترٌ يفيدُ اليقينَ، والسنةَ الآحاديةَ ظنيةٌ، ولا يُرْفَعُ اليقينُ بالظنِّ.
ومثالُه: قولُه تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 180] قيلَ: إنها منسوخةٌ بحديثِ: «إنَّ اللهَ قد أعطى كلَّ ذي حقِّ حقَّه، فلا وصيةَ لوارثٍ»[1].
والصحيحُ أن الآيةَ منسوخةٌ بآيةِ المواريثِ[2]، كما يدلُّ على هذا أولُ الحديثِ نفسِه: «إنَّ اللهَ قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه».
2- نسخُ القرآنِ بالسنةِ المتواترةِ:
وأجازَه أبو حنيفةَ ومالكٌ وأحمدُ في روايةٍ، وقالوا: إن السنةَ وحيٌ كما أنَّ القرآنَ وحيٌ، قالَ تعالى: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ٣ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ٤ ﴾ [النجم: 3، 4]، وقولُه تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 44]، والنسخُ نوعٌ من البيانِ.
ومنعه الشافعيُّ وأحمدُ في روايةٍ أخرى؛ لقولِه تعالى: ﴿ مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ ﴾ [البقرة: 106]، والسنةُ ليست خيرًا من القرآنِ ولا مثلَه.
ويجابُ على ذلك بأنَّ الخيريةَ في الفضلِ، وليسَ في وجوبِ الاتباعِ والدلالةِ على الأحكامِ، فالسنةُ يجبُ العملُ بها كما يجبُ العملُ بالقرآنِ سواءً بسواءٍ.
ومثالُه: قولُه تعالى: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ ﴾ [النور: 2]، فإن جلدَ المحصنِ منسوخٌ بالرجمِ كما جاءَ في السنةِ المتواترةِ.
والذي أراه أنَّ هذا تخصيصٌ وليسَ بنسخٍ، ولم أجدْ مثالًا آخرَ[3]، ويظهرُ لي أن هذا النوعَ جائزٌ عقلًا، ولم يقعْ في القرآنِ.