حجم الخط:

الحالة الأولى:

أن يأتيه مثل صَلْصَلَةِ الجرس، والصلصلة في الأصل: صوت وقوع الحديد بعضه على بعض، ثم أُطلق على كل صوت له طنين[1].

ومن صفات هذه الحالة:

1- أنها الأشد على الرسول ﷺ، كما وصفها عليه الصلاة والسلام.

2- أنها شديدة على الرسول ﷺ؛ فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: سألت رسول الله ﷺ: هل تحسُّ بالوحي؟ فقال: «أسمع صلاصل ثم أسكت عند ذلك، فما من مرة يُوحى إليَّ إلا ظننتُ أن نفسي تَفِيض»[2]، وفي مجمع الزوائد: «إلا ظننت أن نفسي تُقبض»[3].

3- أنه ﷺ يَعرق عرقًا شديدًا في هذه الحالة من الوحي؛ كما قالت عائشة رضي الله عنها: «ولقد رأيتُه يَنزل عليه الوحيُ في اليوم الشديد البرد فيَفْصِم عنه وإن جبينه ليَتَفَصَّد عَرَقًا»[4].

وقال زيد بن ثابت رضي الله عنه: «كنت أكتب الوحيَ لرسول الله ﷺ، وكان إذا نزل عليه أخذته بُرَحَاء[5] شديدة، وعرق عرقًا شديدًا مثل الجُمان[6]، ثم سُرِّي عنه»[7].

4- أن جسمه يثقل ثقلًا شديدًا؛ كما روى البيهقي في (الدلائل) في وصفه للوحي: «إن كان ليوحى إلى رسول الله ﷺ وهو على ناقته فتضرب على جِرَانها من ثِقَل ما يوحى إلى رسول الله ﷺ، وإن كان جبينه ليطفُّ بالعَرَقِ في اليوم الشاتي إذ أوحى الله إليه»[8].

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «إن كان ليوحى إلى رسول الله ﷺ وهو على راحلته فتضرب بجِرَانها»[9]، أي: تمدُّ عُنقها من التعب.

وكان الوحي ينزل على رسول الله ﷺ وهو مُتَّكئ على رِجْل زيد بن ثابت رضي الله عنه، قال زيد: «حتى تكاد رِجْلي تنكسر من ثِقَل القرآن؛ حتى أقول: لا أمشي على رجلي أبدًا»[10].

5- أن الرسول في هذه الحالة من الوحي يغطُّ غطيط النائم، ويغيب غيبة كأنها غشية أو إغماء،وليست كذلك، وقد روى البخاري: «أن صفوان بن يعلى رضي الله عنه قد جاء إلى الرسول ﷺ وهو يُوحى إليه، وعلى رسول الله ﷺ ثوب قد أظل به، فأدخل رأسه، فإذا رسول الله محمَّر الوجه وهو يَغط»[11] الحديث.

وأخرج ابن سعد عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي يغط في رأسه، ويتربَّدُ وجهه»، أي: يتغير لونه[12].

6- أن للوحي صوتًا يسمعه الرسول ﷺ مثل الصلصلة، ويسمعه الصحابة رضي الله عنهم مثل دوي النحل[13]، وفي حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «كان إذا نزل على رسول الله ﷺ يُسْمَع عند وجهه دَوِيٌّ كدويِّ النحل»[14].

الحكمة من صوت الصلصلة:

قال ابن حجر رحمه الله: (والحكمة في تَقَدُّمِه أن يقرع سمعه الوحي فلا يبقى فيه مكان لغيره)[15].

فائدتها:

قال القسطلاني: (وفائدة هذه الشدة ما يترتب على المشقة من زيادة الزُّلفى ورفع الدرجات)[16].

قلت: ولعل هذه الشدة؛ لأن الأجسام أوعية للأرواح، ولكل جسم رُوحٌ تناسب كثافته وحَجمه، فإذا غلبت الروحانية على الجسم فإن الجسم يَنوء بها؛ فيُعاني شدة ويَعرق نتيجة الجهد ويثقل؛ لأن أجسام البشر خُلِقت لأرواح البشر، فإذا سَمَت الروح وعَلَت، فإن هذا الجسد لا يكاد يحتملها، والله أعلم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة