القسمُ الثاني: القسمُ المنفصلُ:
وهو أن يكونَ المخصصُ في موضعٍ آخرَ غيرَ متصلٍ باللفظِ العامِّ اتصالًا لفظيًّا.
وهو أنواعٌ، منها:
1- التخصيصُ بآيةٍ:
فقولُه تعالى: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ۚ ﴾ [البقرة: 228] عامٌّ يشملُ كلَّ مطلقةٍ، إلا أنه خَصَّ الحواملَ في قولِه تعالى: ﴿ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ۚ ﴾ [الطلاق: 4]، كما خصَّ الآيساتِ من الحيضِ: ﴿ وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ ﴾ [الطلاق: 4]، وخصَّ غيرَ المدخولِ بها، قالَ تعالى: ﴿ إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ ﴾ [الأحزاب: 49].
وقولُه تعالى: ﴿ وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ ﴾ [البقرة: 221] يشملُ كلَّ مشركةٍ كتابيةً كانت أو غيرَ كتابيةٍ، وجاءَ التخصيصُ في قولِه تعالى: ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ﴾ [المائدة: 5]، فخصَّ الكتابيةَ منَ المشركاتِ بجوازِ الزواجِ منها.
2- التخصيصُ بالسنةِ قولًا كانَ أو فعلًا:
فقولُه تعالى بعدَ أنْ عددَ المحرماتِ من النساءِ: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ ﴾ [النساء: 24] مخصوصٌ بحديثِ أبي هريرةَ رضي الله عنه، عن النبيِّ ﷺ: «لا تنكحُ المرأةُ على عمتِها، ولا على خالتِها»[1]، حيث خصَّ أربعَ نساءٍ، وهنَّ عمةُ الزوجةِ وخالتُها، وابنةُ أخيها، وابنةُ أختِها.
وقولُه تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ۚ ﴾ [النساء: 11] عامٌّ يدلُّ على أن جميعَ الأولادِ يرثون من آبائِهم، لكنَّه مخصوصٌ بقولِ الرسولِ ﷺ: «لا يرثُ المسلمُ الكافرَ، ولا الكافرُ المسلمَ»[2]، وبقولِه ﷺ: «لا يرثُ القاتلُ شيئًا»[3]، وبما رواه أبو بكرٍ رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «لا نورثُ، ما تركناهُ صدقةٌ»[4]، فخرجَ أولادَ الأنبياءِ، فإنَّهم لا يرثونَ.
وقولُه تعالى في المطلقةِ البائنِ: ﴿ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ۗ ﴾ [البقرة: 230]، وهذا عامٌّ في العقدِ والوطءِ، وخصَّه قولُ الرسولِ ﷺ لامرأةِ رفاعةَ: «لا، حتى تذوقي عسيلتَه ويذوقَ عسيلتَك»[5].
وقولُه تعالى: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ ﴾ [النور: 2] عامٌّ يشملُ المحصنَ وغيرَ المحصنِ، وتواترَ عنه ﷺ أنه رجمَ المحصنَ، وهو فعلٌ.
3- التخصيصُ بالإجماعِ:
ومذهبُ جمهورِ العلماءِ أن الإجماعَ من مخصصاتِ العمومِ المنفصلةِ، وهناكَ ما يرى أنَّ المخصصَ هو دليلُ الإجماعِ، وليسَ الإجماعَ نفسَه، ومن الأمثلةِ قولُه تعالى: ﴿ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ [الجمعة: 9]، وهو عامٌّ يشملُ الحرَّ والعبدَ، والذكرَ والأنثى، وأجمعوا على أنه لا جمعةَ على عبدٍ ولا امرأةٍ[6].
وكقولِه تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ۚ ﴾ [النساء: 11]، فهو عامٌّ يشملُ كلَّ الأولادِ الأحرارِ والأرقاءِ، وخصَّ الرقيقَ بالإجماعِ؛ لأن الرقَّ مانعٌ من الإرثِ.
4- التخصيصُ بالقياسِ:
وذلك في قولِه تعالى: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ ﴾ [النور: 2] فهو عامٌّ يشملُ كلَّ زانٍ؛ حرًّا أو عبدًا، وكلَّ زانيةٍ حرةً أو أَمَةً، لكنَّ الأَمَةَ خُصِّصَتْ بآيةٍ أخرى هي قولُه تعالى: ﴿ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ۚ ﴾ [النساء: 25]، ولم يردْ في العبدِ نصٌّ، فقاسَه العلماءُ على الأَمَةِ بجامعِ الرقِّ في كُلٍّ، فيكونُ حكمُه نصفَ ما على الأحرارِ من الرجالِ.
وهناك أيضًا أنواعٌ منَ المخصصاتِ المنفصلةِ؛ كالتخصيصِ بالعقلِ، وبالحسِّ، وبالعادةِ، وقرائنِ الأحوالِ، وبالمفهومِ، وقولِ الصحابيِّ، وبالسياقِ، وبقضايا الأعيانِ[7].