حجم الخط:

القول الراجح:

هو القول الأول أن للقرآن الكريم نُزُولين: الأول من اللوح المحفوظ في السماء السابعة إلى بيت العزة في السماء الدنيا جملة في ليلة واحدة هي ليلة القدر، وهي ليلة مباركة في شهر رمضان، والنزول الثاني: نزوله منجمًا على الرسول وذلك في ثلاث وعشرين سنة.

قال ابن حجر عن هذا القول: (هو الصحيح المعتمد)[1]، بل حكى القرطبيُّ الإجماعَ على أن القرآن أُنزل جملة واحدة[2]، وقال في موضع آخر: (لا خلاف أن القرآن أُنزل من اللوح المحفوظ ليلة القدر -على ما بَيَّناه- جملة واحدة، فوُضع في بيت العزة في سماء الدنيا، ثم كان جبريل ينزل به نَجْمًا نَجْمًا في الأوامر والنواهي والأسباب، وذلك في عشرين سنة)[3]، ووصف السيوطي هذا القول بأنه (الأصح الأشهر)[4].

قلت: وتشهد لصحة هذا القول الأحاديث المروية عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهي كلها صحيحة كما قال السيوطي، ولا أثر لكونها موقوفة ابن عباس؛ لأن قول الصحابي في الأمور الغيبية التي لا مجال للاجتهاد فيها له حكمُ الرفع.

وإياك أن تفهم أن جبريل عليه السلام أخذ القرآن من اللوح المحفوظ ولم يسمعه من الله، فإن هذا القول باطل، قال ابن تيمية رحمه الله: (فمَن قال: إنه منزل من بعض المخلوقات كاللوح والهواء فهو مُفْتَرٍ على الله مُكَذِّب لكتاب الله متَّبع لغير سبيل المؤمنين؛ ألا ترى أن الله فَرَّق بين ما نزل منه وما نزل من بعض المخلوقات كالمطر بأن قال: ﴿ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [البقرة: 22]؛ فذكر المطر في غير موضع، وأخبر أنه نَزَّله من السماء، والقرآن أخبر أنه مُنَزَّلٌ منه)[5] في قوله تعالى: ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [النحل:102]، ﴿ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الزمر: 1]، ﴿ حم ١ تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٢ [فصلت: 2]، وقال ابن تيمية أيضًا: (ثم إن كان جبريل لم يسمعه من الله وإنما وجده مكتوبًا، كانت العبارة عبارة جبريل، وكان الكلام كلام جبريل، تَرجم به عن الله كما يُترجم عن الأخرس الذي كتب كلامًا ولم يَقدر أن يتكلم به، وهذا خلافُ دين المسلمين)[6].

وقد ردَّ سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي المملكة رحمه الله على قولٍ أورده السيوطي بأن جبريل أخذ القرآن من اللوح المحفوظ[7] فقال: (هذه المقالة اغترَّ بها كثير من الجهلة وراجت عليهم، والسيوطي[8] رحمه الله -مع طول باعه وسعة اطِّلاعه وكثرة مؤلفاته- ليس ممن يعتمد عليه في مثل هذه الأصول العظيمة، وهذه المقالة مبنية على أصل فاسد، وهو القول بخلق القرآن؛ وهذه مقالة الجهمية والمعتزلة ومَن نحا نحوهم، وهذه المقالة الخاطئة حقيقتها إنكار أن يكون الله متكلمًا حقيقة)، إلى أن قال: (والقائلون بخلق القرآن منهم من يقول: خلقه في اللوح المحفوظ، وأخذ جبريل ذلك المخلوق من اللوح، وجاء به إلى محمد ؛ ومنهم من يقول: خلقه في جبريل، ومنهم من يقول: خلقه في محمد ، إلى غير ذلك من أقوال)[9].

فهذا ما ينتهي إليه هذا القول ويَؤول إليه وإن لم يكن كثير من الناقلين له يقصدونه[10].

وإذا كان الرأي الراجح أن للقرآن الكريم نزولين؛ فلنُفَصِّل القول في كل نزول على حِدَة:

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة