كانت تلك المرحلةُ منعطفًا خطيرًا في تاريخِ التفسيرِ، بدأتْ حين اتجهَ بعضُ المفسرينَ إلى اختصارِ الأسانيدِ، ونقلُوا الآثارَ المرويةَ عن السلفِ دونَ أن ينسبُوهَا إلى قائلِيهَا، فاختلطَ الصحيحُ بالضعيفِ، وكانتْ تلكَ الهفوةُ منْ أخطرِ الهفواتِ وأوسعِ الفجواتِ لنفوذِ الأعداءِ إلى الدينِ؛ ليَضعُوا فيه ما لا يرتضِيه، ويُنَحِّلُوه ما ليسَ من مبادئِه، لولَا أنَّ اللهَ هَيَّأ لهذا الأمرِ من علماءِ الإسلامِ مَن كشفَ زيفَ الزائفينَ ودَسَّ المُغرضينَ، ومَيَّزَ بين الصحيحِ والسقيمِ، وحفظَ اللهُ تعالى لهذهِ الأمةِ هذا الدينَ.
كما ازدادَ في هذهِ المرحلةِ القولُ في التفسيرِ بالرأيِ المحمودِ منه والمذمومِ، وتجرأُوا على القولِ في القرآنِ بغير علمٍ، وحرصَ بعضُهم على الإكثارِ من روايةِ الأقوالِ في تفسيرِ الآيةِ الواحدةِ، فصارَ كلُّ مَن يسنحُ له قولٌ يُوردُه من غيرِ أنْ يخطرَ ببالِهِ شيءٌ يَعتَمدُ عليه، فيأتِي مَنْ بَعْدَه، فيظنُّ أنَّ لِـمَا أوردَ أصلًا غيرَ مُلتَفِتٍ لصحةٍ ولا باحثًا عنْ سندٍ[1].
وتطورَتْ كثيرًا روايةُ الإسرائيليَّاتِ، وتوسعتْ في استقصاءِ الأخبارِ الإسرائيليةِ، والخوضِ فيما لا فائدةَ في معرفتِه، واشتغلوا بهذا عن البحثِ الجَادِّ الأسمى في أمورِ الدينِ.