وهذه نتيجةٌ حتميَّةٌ للمرحلةِ السابقةِ، فقد انفتحَ بابُ التفسيرِ على مصراعَيْهِ، فدخلَ منه الغثُّ والسمينُ، والصحيحُ والعليلُ، ولم يَزلْ مفتوحًا إلى يومِنَا هذا، فبعد أن كانَ التفسيرُ يعتمدُ على النقلِ عنِ الرسولِ ﷺ وأصحابِه والتابعين، رأيناهُ في تلك المرحلةِ يعتمدُ على التفسيرِ بالرأيِ؛ وذلك نتيجة لنشأةِ كثيرٍ من الفرقِ والمِلَلِ والمذاهبِ في الإسلامِ، فأصبحَ أصحابُ كلِّ مذهبٍ يتجهون إلى آياتِ القرآنِ، ويفسِّرُونها حسبَ ما يوافقُ مذاهبَهم ومعتقداتِهم، كما اعتنى أربابُ العلومِ بما يوافقُ علومَهم، فكان كلُّ مَنْ بَرَعَ في علمٍ من العلومِ غَلَبَ ذلك على تفسيرِه، فالفقيهُ يكادُ يسردُ فيه الفقهَ، وربما استطردَ إلى إقامةِ أدلَّةِ الفروعِ والردِّ على المخالفين، كالقرطبيِّ والجصَّاصِ، والإخباريُّ ليس له هَمٌّ إلا سَرْدُ القصصِ واستيفاؤُها... كالثعلبيِّ، والنحويُّ ليس له هَمٌّ إلا الإعرابُ وتكثيرُ الأوجهِ المحتملةِ فيه؛ كالزجاجِ والواحديِّ وأبي حيانَ... وصاحبُ العلومِ العقليةِ ملأَ تفسيرَهُ بأقوالِ الحُكماءِ والفلاسفةِ وشبهِهم والرَّدِّ عليهم كالفخرِ الرازيِّ[1].
وهكذا نرى كُلَّ صاحبِ فنٍّ أو مذهبٍ يُفسرُ القرآنَ بما يتناسبُ مع فنِّه، أوْ يوافقُ مشربَهُ، أو يشهدُ لمذهبِهِ، ولو كانَ بعيدًا كُلَّ البعدِ عن المقصدِ الذي نَزَلَ من أجلِه القرآنُ[2].
تلكم أهمُّ المراحلِ التي مَرَّ بها تدوينُ التفسيرِ، لكن ينبغي أن نُدركَ أنَّ تتابعَ هذه المراحلِ لا يعني أنَّ كُلَّ مرحلةٍ منفصلةٌ انفصالًا تامًّا عن المرحلةِ السابقةِ لها أو التاليةِ، بل ظلتْ كلُّ مرحلةٍ موجودةً في المرحلةِ، أو المراحلِ التاليةِ لها، وقد توجدُ لها نواةٌ أو بذورٌ في المرحلةِ السابقةِ لها أيضًا.