المناسبةُ بينَ المقسمِ به والمقسمِ عليه:
ولك أن تتأملَ في الحكمةِ في أنْ يقسمَ اللهُ على ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾ بـ ﴿ وَالْعَصْرِ ﴾ ، وعلى ﴿ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ ﴾ بـ ﴿ وَالْمُرْسَلَاتِ ﴾ ، لِـمَ لَـمْ يقسمُ على ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾ بالضحى مثلًا أو بالصافاتِ أو المرسلاتِ، وقلْ مثلَ هذا في الأقسامِ الأخرى.
فإن فعلْتَ فإنك ستدركُ في أقسامِ القرآنِ وجهًا بلاغيًّا من أظهرِ أوجهِ الإعجازِ البلاغيِّ في القرآنِ الكريمِ، وهو الصلةُ بينَ المقسمِ به والمقسمِ عليه.
من الأمثلةِ على ذلك:
1- قولُه تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ ٧ إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ ٨ ﴾ [الذاريات: 7، 8].
قالَ البيضاويُّ: (ولعلَّ النكتةَ في هذا القسمِ تشبيهُ أقوالِهم في اختلافِها وتنافي أغراضِها بطرائقِ السمواتِ في تباعدِها واختلافِ غاياتِها)[1].
2- قولُه تعالى: ﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ ١ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ ٢ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ٣ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ٤ ﴾ [النجم: 1 - 4].
والمقسمُ به هنا النجمُ الذي يهتدي به السائرون في ظلمةِ الليلِ، والمقسمُ عليه نفيُ ضلالِ الرسولِ ﷺ، وإثباتُ صدقِه ونبوتِه وهدايتِه للناسِ، فكأنَّه النجمُ الذي يهتدي به الناسُ إلى الحقِّ والنجاةِ.
قالَ ابنُ القيمِ رحمه الله: (وبين المقسمِ به والمقسمِ عليه من التناسبِ ما لا يخفى؛ فإن النجومَ التي ترمي الشياطينَ آياتٌ منْ آياتِ اللهِ يحفظُ بها دينَه ووحيَه، وآياتِه المنزلةَ على رسولِه، بها ظهرَ دينُه وشرعُه وأسماؤُه وصفاتُه، وجُعِلَتْ هذه النجومُ المشاهدةُ خدمًا وحرسًا لهذه النجومِ الهاديةِ)[2].
3- قولُه تعالى: ﴿ وَالضُّحَىٰ ١ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ ٣ ﴾ [الضحى: 1 - 3].
قالَ ابنُ القيمِ رحمه الله: (فتأملْ مطابقةَ هذا القسمِ، وهو نورُ الضحى الذي يوافِي بعدَ ظلامِ الليلِ للمقسمِ عليه، وهو نورُ الوحيِ الذي وافاه بعدَ احتباسِه عنه حتى قالَ أعداؤُه: وَدَّع محمدًا ربُّه؛ فأقسمَ بضوءِ النهارِ بعدَ ظلمةِ الليلِ، على ضوءِ الوحيِ ونورِه بعد ظلمةِ احتباسِه واحتجابِه.
وأيضًا فإن فالقَ ظلمةِ الليلِ عن ضوءِ النهارِ هو الذي فلقَ ظلمةَ الجهلِ والشركِ بنورِ الوحيِ والنبوةِ فهذانِ للحسِّ، وهذانِ للعقلِ.
وأيضًا فإن الذي اقتضَتْ رحمتُه ألَّا يتركَ عبادَه في ظلمةِ الليلِ سرمدًا، بل هداهم بضوءِ النهارِ إلى مصالِحهم ومعايشِهم -لا يليقُ به أن يتركَهم في ظلمةِ الجهلِ والغيِّ، بل يهديهم بنورِ الوحيِ والنبوةِ إلى مصالحِ دنياهم وآخرتِهم.
فتأملْ حسنَ ارتباطِ المقسمِ به بالمقسمِ عليه، وتأملْ هذه الجزالةَ والرونقَ الذي على هذه الألفاظِ، والجلالةَ التي على معانيها)[3].