حجم الخط:

تاسعًا: [الاختلاف في الرواية عن النبي ﷺ]

ومنْ أسبابِ اختلافِ المفسرين في تفسيرِ الآيةِ؛ الاختلافُ في الرِّوايةِ عنِ الرسولِ ﷺ، فقدْ يبلغُ أحَدَهم حديثُ الرسولِ ﷺ، ولا يبلغُ الآخرَ، فيختلفُ تفسيرُ كلِّ مُفسِّرٍ عنِ الآخرِ.

ومثالُه في قولِه تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ۖ ﴾ [البقرة: 234]، وقوله تعالى: ﴿ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ۚ ﴾ [الطلاق: 4]، فقدِ استندَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ وعبدُ اللهِ بنُ عباسٍ رضي الله عنهم إلى هاتين الآيتينِ في أنَّ المرأةَ التي تُوفِّيَ عنها زوجُها تَعْتَدُّ بأبْعَدِ الأجلينِ.

أما ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه فقدْ قالَ: «من شاءَ قاسمْتُه باللهِ أنَّ هذه الآيةَ أُنْزِلَتْ فِي سورةِ النساءِ القُصرى[1]، نزلتْ بعدَ الأربعةِ الأشهرِ، ثم قالَ: أجلُ الحاملِ أنْ تَضَعَ ما في بطنِهَا»[2].

ويشهدُ لابنِ مسعودٍ رضي الله عنه حديثُ سُبَيْعةَ الأسلميةِ، فقد تُوفِّيَ عنها زوجُها في حجةِ الوداعِ وهي حاملٌ، فلم تَنْشَبْ أن وضعتْ حملَها بعدَ وفاتِهِ، فلما تَعَلَّت من نِفَاسِها تَجَمَّلت للخُطَّابِ، فدخلَ عليها أبو السنابلِ بنُ بَعْكَكٍ، فقالَ لها: «ما لي أراك مُتَجمِّلةً؟ لعلكِ ترجينَ النكاحَ، إنَّكِ واللهِ ما أنتِ بناكحٍ حتَّى تَمُـرَّ عليكِ أربعةُ أشهرٍ وعشرٌ».

قالت سُبيعة: «فلمَّا قال لي ذلك جمعت عليَّ ثيابي حين أمسيتُ، فأتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ فسألْتُه عنْ ذلكَ؟ فأفتانِي بأنِّي قد حَلَلتُ حينَ وضعْتُ حَمْلِي وأمرَني بالتزوجِ إنْ بَدَا لِي»[3].

وقد رجعَ عليٌّ وابنُ عباسٍ رضي الله عنهم عن قولِهِمَا بعدَ أنْ بلغَهُما حديثُ سُبيعةَ، فقدْ روى مسلمٌ: أنَّ أبا سَلَمةَ بنَ عبدِ الرحمنِ وابنَ عباسٍ اجتمَعَا عندَ أبي هريرةَ، وهمَا يذكرانِ المرأةَ تَنْفَسُ بعد وفاةِ زوجِهَا بليالٍ، فقالَ ابنُ عباسٍ: عدَّتُها آخرُ الأجلينِ، وقالَ أبو سلمةَ: قد حَلَّتْ، فجعلَا يتنازعانِ ذلكَ، قالَ: فقالَ أبُو هريرةَ: أنا مع ابنِ أخي (يعنِي: أبا سلمةَ) فبعثُوا كُريْبًا (مولى ابنِ عباسٍ) إلى أمِّ سَلَمةَ يسألُهَا عن ذلك، فجاءَهُم، فأخبرَهُم أنَّ أمَّ سلمةَ قالتْ: «إنَّ سبيعةَ الأسلميةَ نفسَتْ بعدَ وفاةِ زوجِهَا بليالٍ، وأنَّها ذكرتْ ذلك لرسولِ اللهِ ﷺ فأمرَها أنْ تتزوجَ»[4].

تلكم أهمُّ أسبابِ اختلافِ المفسرينَ في التفسيرِ، وهناك أسبابٌ أخرى غيرُها، ويكفِينا منْهَا ما ذكرْنَا، واللهُ أعلمُ.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة