اختلف العلماءُ رحمهم الله تعالى في لفظ القرآن، لكنهم اتَّفَقوا على أنَّه اسمٌ، فليس بفعلٍ ولا حرفٍ، وهذا الاسمُ شأنُه شأنُ الأسماء في العربية؛ إمَّا أن يكون جامدًا أو مشتقًّا.
فذهبَ جماعةٌ من العلماء إلى أنَّه اسمٌ جامدٌ غيرُ مَهموزٍ؛ قال الشافعيُّ: (وقرأتُ على إسماعيلَ بنِ قُسْطَنْطِين وكان يقول: القرآنُ اسمٌ وليس بمَهْمُوزٍ، ولم يُؤخذ مِن قَرَأت، ولو أُخِذ مِن قرأت لكان كلُّ ما قُرِئ قرآنًا، ولكنه اسمٌ للقرآن؛ مثل التوراة والإنجيل، يُهْمَزُ قَرَأت ولا يُهْمَزُ القرآن؛ ﴿ وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ ﴾ [الإسراء: 45] يَهْمِزُ قرأت، ولا يَهْمِزُ القرآن)[1]، وبه قرأ ابنُ كَثِيرٍ.
وذهبت طائفةٌ إلى أنَّ هذا الاسمَ مُشْتَقٌّ، ثم افترقوا إلى فِرقتين:
فقالت فرقةٌ منهم: إنَّ النون أصلية، وعلى هذا يكون الاسم مشتقًّا من مادة (ق ر ن)، ثم اختلفوا:
1- فقالت طائفةٌ منهم الأشعريُّ[2]: (إنَّه مُشتقٌّ مِن قَرَنْت الشيء بالشيء إذا ضَمَمْته إليه، ومنه قولهم: قَرَنَ بين البَعِيرين؛ إذا جمع بينهما، ومنه سُمِّي الجمعُ بين الحجِّ والعمرة في إحرام واحد قِرَانًا).
2- وقالت طائفةٌ منهم الفَرَّاءُ[3]: (إنَّه مشتقٌّ مِن القَرَائِن جمع قَرِينة؛ لأنَّ آياتِه يُشبه بعضها بعضًا).
وقالت فرقةٌ منهم: (إنَّ الهمزة أصلية)، ثم افترقوا -أيضًا- إلى فِرقتين:
1- فقالت طائفة منهم اللِّحْياني[4]: (إنَّ القرآن مَصدر مهموز بوزن الغُفران، مشتق مِن قَرَأ بمعنى تَلَا، سُمِّي به المَقروءُ تسميةً للمفعول بالمَصدر، ومنه قوله تعالى: ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ١٧ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ﴾ [القيامة: 17، 18]، أي: قِرَاءته).
2- وقالت طائفةٌ منهم الزَّجَّاجُ[5]: (إنَّه وصفٌ على وزن فُعْلَان مُشتقٌ مِن القَرْءِ بمعنى الجمعِ، ومنه: قرأَ الماءَ في الحوض؛ إذا جَمَعَه).
قال ابن الأثير: (وسُمِّي القرآنُ قرآنًا؛ لأنه جَمَعَ القَصَصَ والأمرَ والنَّهيَ والوَعْدَ والوعيدَ والآياتِ والسُّورَ بعضها إلى بعض، وهو مصدر كالغُفران والكُفران)[6].
ولعلَّ الراجحَ هو ما ذهب إليه اللِّحْيانيُّ والزَّجَّاجُ أن الهمزة أصلية، وأن لفظ القرآن مهموز؛ وصفًا كان أو مصدرًا، وأمَّا ترك الهمز فيه في بعض القِراءات فهو من باب التخفيفِ ونقلِ حَرَكَتِها إلى ما قبلها، وهو كثيرٌ شائعٌ، ثم نُقِل من المصدرية أو الوصفيَّة وجُعِل عَلَمًا، كما ذهب إليه مُحَقِّقُو الأُصُوليين[7].
تلكم خلاصةُ الأقوالِ في تعريف القرآن لغةً، ولعل الرَّسمَ التوضيحيَّ يَزيدُها بيانًا، ونستطيع أن نُصَوِّرَ هذه الأقوالَ بطريقتين:

