ثالثًا: [احتمال اللفظ أكثر من معنى]
وقدْ يكونُ سببُهُ الاختلافَ في المرادِ باللفظِ؛ لاحتمالِهِ أكثرَ من معنًى:
إما بسببِ الاشتراكِ اللغويِّ، بمعنى أنَّ الكلمةَ بحكمِ وضعِها لغةً تُسْتَعْمَلُ لمعنيين مختلفين، فيُفسرُها أحدُ العلماءِ بأحدِ المعنيينِ، ويُفسرُها آخرُ بالمعنى الثانِي، وكلا التفسيرين جائزٌ وصحيحٌ، ما لم يَقُمْ دليلٌ على أحدِ المعنيينِ، كلفظِ: (قسورة) الذي يُطْلَقُ على (الرامي) وعلى (الأسد)، ولفظِ: (عسعس) الذي يُرادُ به إقبالُ الليلِ وإدبارُه، ولفظُ (الجون) يُطْلَقُ على الأسودِ وعلى الأبيضِ، ولفظُ (النكاح) يُطْلَقُ على العَقدِ، ويُطْلَقُ على الوطءِ، ولفظُ (القَرْءِ) يُرادُ به الحيضُ، ويُرادُ به الطهرُ.
وكما يقعُ الاشتراكُ اللفظيُّ في الأسماءِ والأفعالِ، فإنهُ يقعُ في الحروفِ، كحرفِ (مِنْ) فإنهُ يأتي لابتداءِ الغايةِ كقولِهِ تعالى: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ﴾ الآية [الإسراء: 1]، وللتبعيضِ كقولِه تعالى: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ ﴾ [آل عمران: 92]، وللسببيةِ كقوله تعالى: ﴿ مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا ﴾ [نوح: 25]، وللجنس كقوله D: ﴿ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ ﴾ [الحج: 30].
ولمَّا استعملَ القرآنُ الكريمُ هذه الألفاظَ المشتركةَ ونحوَها، كانتْ سببًا لاختلافِ العلماءِ في التفسيرِ.
وإمَّا لكونِهِ متواطئًا في الأصلِ، لكنَّ المرادَ به أحدُ النوعينِ أو أحدُ الشخصينِ، كالضمائرِ في قولِه تعالى: ﴿ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ ٨ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ ٩ ﴾ [النجم: 8، 9]، وكأسماءِ الجنسِ مثل: ﴿ وَالْفَجْرِ ﴾ و﴿ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾ و﴿ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ﴾ [الفجر: 1 – 3] وما أشبهَ ذلكَ، فمثلُ هذا قدْ يجوزُ أنْ يُرادَ به كُلُّ المعانِي التي قالها السلفُ، وقد لا يجوزُ ذلكَ[1].