خَلَقَ اللهُ عز وجل الإنسان في أحسنِ تقويم، ورَكَّبَه أحسنَ تركيب، وجعله من:
1- جسد.
2- روح.
قال تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ ٧١ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴾ [ص: 71، 72]، وحين نتأمل في غذاء كلٍّ من هذين العنصرين (الروح والجسد) نجد أن الجسد خُلِق من تراب، وأنَّ غذاءه من التراب (نبات، أو حيوان يتغذى بالنبات)، وأنه إذا مات يَتحلل ويعود إلى التراب! ولذلك يتمنى الكافر يوم القيامة لو أنه بقي على أصله الترابي الأول فيقول: ﴿ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ﴾ [النبأ: 40]، أما الروح فمن الله: ﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ﴾ [الحجر: 29، ص: 72]، وإن كانت النسبة إضافة تشريف فلا بد أن يكون غذاؤها من الله، وليس من التراب، ولا ممن خُلِقَ من التراب، فإن التَزَمَتْ بالغذاء الرباني صَعِدَتْ بعد الموت إلى عِلِّيِّين، وفُتحت لها أبواب السماء ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ٢٧ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ٢٨ ﴾ [الفجر: 27، 28]، وإن حَادَتْ وأَبَتْ إلا الغذاء الترابي أُغلقت في وجهها أبوابُ السماء؛ قال تعالى: ﴿ لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ۚ ﴾ [الأعراف: 40]، وقال كعب: (أرواح المؤمنين في عِلِّيِّين في السماء السابعة، وأرواح الكفار في سِجِّين في الأرض السابعة تحت جند إبليس)[1].
وغذاء الجسد فيه النافع والضار، فإذا غَذَّى الإنسانُ جسدَه بالغذاء الجَيِّد صَحَّ وقوي بناؤه، وظل حيًّا طريًّا متماسكًا، وإذا غذَّاه بالغذاء الرديء أو أهمل غذاءه ضَعُف وانحرف مزاجُه وساءت صِحَّتُه، وخَارَت قُواه وهَزُل وذَبُل.
وكذا غذاء الرُّوح فيه النافع والضار أيضًا، فإذا غذَّى الإنسانُ رُوحه بالغذاء السليم سَمَتْ وارتفعت، وصَحَّتْ وسَلِمَتْ مِن الأمراض، وغذاؤها صحة الاعتقاد، وسلامته باتصالها بالله تعالى؛ قال تعالى: ﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: 28].
وإذا أهمل الإنسانُ غذاء روحه أو غذَّاها بالغذاء البشري بأن جعل صلتها بالمبادئ الوضعية والمعتقدات الزائفة، أو انقادت لملذات الجسد الترابي فتغذت بغذائه، واستغنت به عن غذائها الرباني- ضَعُفَتْ وخَارَتْ وتَاهَتْ، وانحرف مزاجُها، ولم يَقَرَّ لها قرارٌ، وضاقتْ عليها الأرضُ على سِعتها؛ قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ﴾ [طه: 124]، ﴿ وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴾ [الزخرف: 36]، وقد تَطْلُبُ الخروجَ من هذا الجسد الذي ضاقت به وضاق بها؛ فتُؤدي بصاحبها إلى الانتحار.
إذن، فإن على الإنسان أن يحرص على اختيار غذاء الروح كما يحرص على اختيار غذاء الجسد، وأن يسأل أطباء الأرواح عن غذائها النافع كما يحرص على سؤال أطباء الأبدان عن غذاء الجسد الفاني، وعليه أن يَعْرِضَ رُوحَه على أهل الذِّكْرِ كما يَعرض جسده على أهل الطب، وأن يُعالج روحه كما يعالج بدنه، وأن يتفقدها كما يتفقد بدنه، وأن يحاسبها دوريًّا كما يُجري الفحوص الدورية لجسده.
وإذا كان غذاء هذه الأجساد الترابية السُّفلية الفانية من أصلها الترابي يُستَمد، فإن غذاء هذه الأرواح السامية الباقية من الله العليِّ الباقي الدائم يُستَمد[2].
وقد هَيَّأ الله -عَزَّ شأنُه- الطعام المناسب لكل من هذين العنصرين؛ فجعل غذاء هذا الجسد من التراب الذي خُلِق منه؛ يحرث الأرض ويزرعها فينبت الطعام، أو يحفرها فيخرج الماء، أو يجده أقرب من ذلك فوقها.
وهذه الروح مِن الله؛ فجعل غذاءها مِن عنده، يَنزل به الرُّوحُ الأمين على الرُّسل، فتنشره بين الناس، وتدعو إليه؛ فمن اهتدى فقد اهتدى لنفسه ومَن ضَلَّ فعليها.
فإذا كان الله سبحانه يهيئ الطعام لهذه الأجساد، فلا عجب أن يهيئ الطعام لهذه الأرواح! ومن الجهل كل الجهل والضلال كل الضلال: الاعتقادُ أن الإنسان بعقله أصبح يعرف الحق من الباطل، فليس هو بحاجة إلى مَن يخبره بذلك، لا يصح هذا؛ لأن الروح لا تزال بحاجة إلى غذائها العلوي ما بقيت في الجسد، كما أن الجسد لا يزال بحاجة إلى غذائه السفلي ما بقيت فيه الروح.
وإن من رحمة الله تعالى بعباده أن أنزل جبريل عليه السلام بغذاء الأرواح إلى الأنبياء عليهم السلام، كما خلق لهذه الأجساد غذاءها، ولا يُنكر هذه الحاجة إلا مكابر معاند أو جاهل أحمق، فالوحيُ من الله رحمة بعباده لتتغذى به الأرواح، وخَلْقُ الطعام رحمة من الله بعباده لتتغذى به الأجساد، وببقاء العنصرين يبقى الإنسان، وبفقد أحدهما يهلك، والقرآن وحي: ﴿ وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ [الشورى: 7]، وسُنة الرسول ﷺ وحي: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ٣ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ٤ ﴾ [النجم: 3، 4].