خامسًا: [الاختلاف في العموم والخصوص]
ومنْ أسبابِ الاختلافِ: العمومُ والخصوصُ.
والعامُّ: هو اللفظُ الواحدُ الدالُّ على مُسَمَّيينِ فأكثر في وقتٍ واحد[1]، ومثالُه: قولُه تعالى: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ [المائدة: 38] فلفظُ السارقِ وكذَا السارقةُ عامٌّ يشملُ كُلَّ مَنْ سَرَقَ أوْ سَرقَتْ منْ غيرِ حصرٍ في عددٍ مُعينٍ ومنْ غيرِ تخصيصٍ.
والفرقُ بينَ العمومِ والاشتراكِ اللفظيِّ أنَّ المشتركَ لفظٌ واحدٌ يُطْلَقُ على مُسمَّيينِ فأكثر، إلا أنَّه ليس في وقتٍ واحدٍ، فالعينُ تُطْلَقُ على الباصرةِ والحسدِ وعينِ الماءِ، لكن هذا الإطلاق ليسَ في وقتٍ واحدٍ، فإمَّا يُرادُ بها هذا أو ذاك، أمَّا السارقُ فيطلقُ على أكثرِ من واحدٍ في وقتٍ واحدٍ.
والخاصُّ: هو اللفظُ الواحدُ الدالُّ على مفردٍ معينٍ، ومثالُهُ: لفظُ (المائة) في قولِهِ تعالى: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ ﴾ [النور: 2]، ولفظُ الثمانين في قولِه تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ﴾ [النور: 4].
فهذه الأعدادُ تدلُّ على العددِ المعينِ الذي وُضِعَتْ لهُ، لا يشتركُ معها فيه معنًى آخرُ.
ومن أمثلتِهِ أيضًا: الركوعُ والسجودُ المشار إليهما في قوله تعالى: ﴿ ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا ﴾ [سورة الحج، الآية:77]، فإنَّ دلالةَ اللفظِ عليهما قطعيةٌ لا يَحْتَمِل معنًى آخرَ غير المعنَى المرادِ.
وقدْ يُستعملُ اللفظُ العامُّ محلَّ الخاصِّ حسبَ ما يقتضِيهِ الحالُ، كقولِهِ تعالَى: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ [آل عمران: 173]، فالناسُ الأولى عامَّةٌ، والمرادُ بها خاصٌّ وهو نُعيمُ بنُ مسعودٍ، والناسُ الثانيةُ عامةٌ، لكن المراد بها أبُو سفيانَ وأصحابُهُ.
والعمومُ والخصوصُ من أسبابِ الاختلافِ بين المفسرين، فقدْ يختلفون في عمومِ لفظٍ أو خصوصِهِ، كاختلافِهم في عمومِ أوْ خصوصِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ ﴾ [البقرة: 221]، فقيلَ: إنَّ لفظَ المشركاتِ عامٌّ يشملُ الوثنياتِ والكتابياتِ، وقيلَ: خاصٌّ بالوثنياتِ، وعلى القولِ الأولِ فإنَّ قولَهُ تعالَى: ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ﴾ [المائدة: 5] مخصصٌ لهذه الآيةِ، وعندَ الآخرين غيرُ مخصصٍ؛ لأنَّه لا يشملُ الكتابياتِ أصلًا.