حجم الخط:

رابعًا: [الاختلاف في المطلق والمقيد]

ومنْ أسبابِ الاختلافِ: احتمالُ الإطلاقِ والتقييدِ في الآيةِ:

والمُطلقُ هو: ما دَلَّ على الماهيةِ بلا قيدٍ[1].

والمُقَيَّدُ هو: ما دَلَّ على الماهيةِ بقيدٍ.

كالدمِ المقيدِ بالسفحِ في قولِه تعالَى: ﴿ أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا [الأنعام: 145].

ومنَ المعلومِ أنَّهُ يجبُ حَمْلُ المُطلقِ على المُقَيَّدِ إذا وُجِدَ دليلٌ يقتضي التقييدَ، ويقعُ الخلافُ بينَ السلفِ في هذا الدليلِ، فتراه طائفةٌ فيحملون المُطلقَ على المُقيدِ، ولا تراهُ أخرى فيُبقُونَ المُطلقَ على إطلاقِهِ والمقيدَ على تقييدِهِ.

ومثالُ ذلكَ: عتقُ الرقبةِ في الكفاراتِ، فقد وردتْ مُقَيَّدَةً في كفارةِ القتلِ الخطإِ بالرقبةِ (المؤمنةِ) قالَ تعالَى: ﴿ وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء: 92]، ووردتْ مُطلقةً في كفارةِ الظهارِ، قالَ تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ۚ [المجادلة: 3]، ووردتْ مُطلقةً أيضًا في كفارةِ اليمينِ، قالَ تعالى: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ۖ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ [المائدة: 89]، فالرقبةُ في كفارةِ الظهارِ واليمينِ مُطلقةٌ تشملُ المؤمنةَ والكافرةَ، وفي كفارةِ القتلِ الخطإِ مُقيدةٌ بالإيمانِ، فقالتْ طائفةٌ بحملِ المطلقِ على المقيدِ، فلا تجزئُ عندهم الرقبةُ الكافرةُ في الظهارِ واليمينِ، بل لا بدَّ منْ رقبةٍ مؤمنةٍ كما هي في كفارةِ القتلِ الخطإِ.

وقالتْ طائفةٌ أخرَى: لا يُحملُ المُطلقُ على المُقيَّدِ إلا بدليلٍ، ولا دليلَ هنا، فيبقَى المطلقُ على إطلاقِهِ، فيجوزُ عتقُ الرقبةِ الكافرةِ فِي كفَّارةِ الظهارِ واليمينِ.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة