شروطُ الاحتجاجِ بمفهومِ المخالفةِ:
وقدِ اشترطَ العلماءُ للاحتجاجِ بمفهومِ المخالفةِ شروطًا، منها:
أولًا: ألَّا يكونَ للمسكوتِ عنه المرادِ إعطاؤه حكمًا مخالفًا لحكمِ المنطوقِ دليلٌ خاصٌّ يدلُّ على حكمِه:
ومثالُه: قولُه تعالى: ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ ﴾ [النساء: 101]، فمفهومُ الآيةِ أنه في حالةِ الأمنِ لا تقصرُ الصلاةُ، والصوابُ أنه لا يصحُّ الاحتجاجُ بهذا المفهومِ؛ لأنَّ قصرَ الصلاةِ في حالةِ الأمنِ وردَ بنصٍّ آخرَ صريحٍ ومنطوقٍ، وهو أقوى من المفهومِ في هذه الآيةِ.
ثانيًا: ألا يكونَ القيدُ خرجَ مخرجَ الغالبِ:
وذلك كالقيدِ بالحجورِ في قولِه تعالى: ﴿ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ ﴾ [النساء: 23]، فالربيبةُ وهي بنتُ الزوجةِ تحرمُ على زوجِ الأمِّ، ومفهومُ المخالفةِ أنها إذا لم تكنْ في حجرِ الزوجِ لا تحرمُ عليه، والصحيحُ أنها تحرمُ سواءٌ كانتْ في حجرِه أم لم تكنْ، وإنما ذكرَ القيدُ؛ لأن الغالبَ أن بنتَ الزوجةِ تعيشُ عند أمِّها مع الزوجِ الجديدِ، ولا أثرَ لذلكَ في الحكمِ.
ثالثًا: ألَّا يكونَ القيدُ المذكورُ لبيانِ فائدةٍ أخرى غيرِ تقييدِ الحكمِ:
كالترغيبِ، أو الامتنانِ، أو التنفيرِ، أو التفخيمِ، أو لبيانِ الواقعِ، فإن كانَ القيدُ لفائدةٍ أخرى غيرِ تقييدِ الحكمِ لم يكنْ لهُ أثرٌ في تقييدِ الحكمِ[1].
فقولُه تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ۖ ﴾ [آل عمران: 130] لا يدلُّ على أن الربا لا يحرمُ إلا إذا كان أضعافًا مضاعفةً، فهو يحرمُ ولو كانَ قليلًا، وإنما وصفَ بالأضعافِ المضاعفةِ؛ للتنفيرِ مما كانوا عليه في الجاهليةِ منَ الظلمِ.
وكقولِه تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا ﴾ [النحل: 14] فالقيدُ بالطريِّ؛ للامتنانِ، وليسَ لتحريمِ غيرِ الطريِّ.