كيفية وحي الله عز وجل إلى الملائكة عليهم السلام:
ورد ذكر إيحاء الله عز وجل إلى الملائكة في قوله تعالى: ﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ ﴾ [الأنفال: 128]، وقال سبحانه: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ ﴾ [البقرة: 30] وغير ذلك.
وقد ورد وصفُ وحيِ الله إلى الملائكة في السنة النبوية في أحاديث كثيرة؛ منها حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خُضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صَفْوَان، فإذا فُزِّعَ عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربُّكم؟ قالوا للذي قال: قال: الحق، وهو العلي الكبير...» الحديث[1].
وعن النَّوَّاس بن سمعان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي، فإذا تكلم أخذت السماوات منه رَجْفَة -أو قال: رِعْدَة- شديدة خوفًا من الله D، فإذا سمع ذلك أهل السماوات صُعِقوا وخَرُّوا لله سُجَّدًا، فيكون أول مَن يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله مِن وحيه بما أراد، ثم يَمر جبريل على الملائكة كلما مَرَّ بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربُّنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق وهو العلي الكبير، فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله D»[2].
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا تكلم الله بالوحي سَمِع أهلُ السماء صَلْصَلَة كَجَرِّ السلسلة على الصَّفا، قال: فيُصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل، فإذا أتاهم جبريل فُزِّعَ عن قلوبهم، فيقولون: يا جبريل، ماذا قال ربك؟ قال: يقول الحق، قال: فينادون: الحق الحق»[3].
وعلى هذا، فإن القرآن الكريم كلامُ الله، أَسْمَعَهُ جبريلَ، وبلَّغه جبريلُ عليه السلام كما سمعه إلى الرسول ﷺ، وليس لجبريل ولا للرسول إلا البلاغ كما دلت على ذلك النصوص القرآنية؛ مثل قوله تعالى مخاطبًا نبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿ وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ﴾ [النمل: 6]، وقوله سبحانه: ﴿ وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ مِنْ رَبِّي ۚ ﴾ [الأعراف: 203]، وقال سبحانه: ﴿ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَٰذَا أَوْ بَدِّلْهُ ۚ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۖ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ [يونس: 15]، وقال سبحانه: ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ ٤٤ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ٤٥ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ٤٦ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ٤٧ ﴾ [الحاقة: 44-47]، وقال سبحانه: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ﴾ [التوبة: 6].
فالوحي من حيث التبليغ قسمان:
1- قسم يُبَلِّغه جبريل كما سمعه بحروفه وحركاته من غير زيادة ولا نقصان، وبَلَّغه الرسول عليه الصلاة والسلام كذلك، وهذا ما أجمع عليه العلماء.
2- وقسم بَلَّغَه جبريلُ عليه السلام أو الرسول ﷺ، أو هما معًا بالمعنى، على خلاف بين العلماء.