ولهم في ذلك أربعةُ مذاهبَ:
1- ذهبَ اليهودُ إلى إنكارِ النسخِ، وزعموا أنه يستلزمُ البداءَ على اللهِ، وهو الظهورُ بعدَ الخفاءِ، أو نشأةُ رأيٍ جديدٍ لم يكنْ نتيجةَ تَجَدُّدِ علمٍ كانَ مجهولًا، وهذا مُحَالٌ على اللهِ تعالى.
واستدلالُهم هذا فاسدٌ؛ لأن النسخَ ليسَ لتجددِ علمِ اللهِ تعالى وعزَّ وجلَّ، وإنما لتجددِ حاجةِ الأمةِ، وتغيرِ أحوالِهم، وحاجتِهم إلى حكمٍ جديدٍ في كلِّ حالةٍ منْ حالاتِهم، فما يناسبُهم في حالِ الضعفِ في مكةَ مثلًا قد لا يناسبُهم في حالِ القوةِ في المدينةِ، وليسَ هذا من البداءِ في شيءٍ.
2- مذهبُ الرافضةِ: وهؤلاء غالَوْا في إثباتِ النسخِ، بلْ وأجازوا على اللهِ البداءَ -الذي نزَّهَ اليهودُ عنه اللهَ تعالى- ووضعوا أحاديثَ نسبوها إلى عليٍّ رضي الله عنه كقولِه: «لولا البداءُ لحدثْتُكم بما هو كائنٌ إلى يومِ القيامةِ».
3- مذهبُ أبي مسلمٍ الأصفهانيِّ: وإنما نُسِبَ إليه؛ لأنه أولُ من قالَ به، وهو من أئمةِ المعتزلةِ، حيثُ قالَ بجوازِ النسخِ عقلًا، وامتناعِ وقوعِه شرعًا، واحتجَّ بقولِه تعالى: ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ [فصلت: 42] على معنى أنَّ أحكامَ القرآنِ لا تبطلُ أبدًا، ويحملُ آياتِ النسخِ على التخصيصِ.
ويُرَدُّ عليه بأن معنى الآيةِ: أن القرآنَ لا يأتيه خللٌ ولا نقصٌ ولا تحريفٌ ولا تبديلٌ، ولا يمكنُ أن يتطرقَ إليه شيءٌ من ذلك، والنسخُ ليسَ من الباطلِ، بل هو من الحقِّ، فالناسخُ والمنسوخُ كلاهُما وحيٌ من اللهِ تعالى، ووحيُ اللهِ كلُّه حقٌّ لا باطلٌ.
4- مذهبُ جمهورِ علماءِ المسلمين: على جوازِ النسخِ عقلًا ووقوعِه شرعًا؛ للنصوصِ الشرعيةِ الكثيرةِ الدالةِ على ذلك، كقولِه تعالى: ﴿ مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ ﴾ [البقرة: 106]، وقولِه تعالى: ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ ﴾ [النحل: 101]، وغيرِ ذلك من الأدلةِ في الكتابِ والسنةِ.