وبعد أن أنفذ عثمانُ المصاحفَ أمر بما سوى مصحفه أن يُحْرَقَ، وبعث (إلى أهل الأمصار أني قد صنعتُ كذا وكذا، ومحوتُ ما عندي؛ فامحوا ما عندكم)[1].
وقد رضي الصحابةُ رضي الله عنهم ما صنع عثمان، وأجمعوا على سلامته وصحته، وقال زيد بن ثابت: «فرأيت أصحاب محمدٍ يقولون: أحسن واللهِ عثمان، أحسن واللهِ عثمان»[2].
وروى ابنُ أبي داود عن مصعب بن سعد قال: «أدركت الناس متوافرين حين حرَّق عثمان المصاحف فأعجبهم ذلك، وقال: لم يُنكر ذلك منهم أحدٌ»[3].
وروى سُويد بن غَفَلَة قال: قال عليٌّ رضي الله عنه: «لا تقولوا في عثمان إلا خيرًا، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن مَلَأٍ منا»[4].
وعند ابن أبي داود قال: قال عليٌّ في المصاحف: «لو لم يَصنعه عثمانُ لصنعتُه»[5].
ولم يُنقل عن أحد من الصحابة خلاف أو معارضة لما فعل عثمان رضي الله عنه؛ إلا ما روي من معارضة عبد الله بن مسعود، وينبغي أن نعلم أنَّ معارضته رضي الله عنه لم تكن بسبب حصول تقصير في الجمع أو نقص أو زيادة، وإنما جاءت معارضته لعدم تعيينه مع أعضاء لجنة النسخ للمصاحف، ولهذا قال: «أُعْزَلُ عن نسخِ المصاحف وَتَوَلَّاها رجل، واللهِ لقد أسلمتُ وإنَّه لفي صُلْبِ رجلٍ كافرٍ»[6].
وروى الترمذيُّ عن ابن شهاب قال: (فبلغني أن ذلك كَرِهَه مِن مقالة ابن مسعود رجالٌ مِن أفاضل أصحاب النبي ﷺ)[7].
وقد دافع أبو بكر الأنباري عن اختيار زيد بقوله: (ولم يكن الاختيار لزيد.. إلا أن زيدًا كان أحفظ للقرآن من عبد الله؛ إذ وعاه كله ورسول الله ﷺ حيٌّ، ولا ينبغي أن يظنَّ جاهل أنَّ في هذا طعنًا على عبد الله بن مسعود؛ لأن زيدًا إذا كان أحفظ للقرآن منه فليس ذلك موجبًا لتقدمته عليه؛ لأن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كان زيد أحفظ منهما للقرآن، وليس هو خيرًا منهما، ولا مساويًا لهما في الفضائل والمناقب، وما بدا عن عبد الله بن مسعود من نكير فشيء نَتَجَه الغضبُ، ولا يُعمل به ولا يؤخذ به، ولا يُشك في أنه رضي الله عنه قد عرف بعد زوال الغضب عنه حُسْنَ اختيار عثمان ومن معه من أصحاب رسول الله ﷺ، وبقي على موافقتهم وتركِ الخلاف لهم)[8].
وأكَّد ذلك الذهبيُّ فقال: (وقد ورد أنَّ ابن مسعود رَضِيَ وتَابَعَ عثمانَ، وللهِ الحمدُ)[9]، وقال ابن كثير: (وإنما روي عن عبد الله بن مسعود شيء من الغضب بسبب أنه لم يكن ممن كتب المصاحف -إلى أن قال- ثم رجع ابنُ مسعود إلى الوِفاق)[10].
فإن قيل: كيف جاز للصحابة ترك ما لا يحتمله الرسم من الأحرف التي أمر الرسول ﷺ بقراءة القرآن بها؟
قيل: إنَّ أمره إياهم بالأحرف السبعة لم يكن أمر إيجاب وفرض، وإنما كان أمر إباحة ورخصة.. وإذا كان ذلك كذلك لم يكن القوم بتركهم بقية الأحرف تاركين ما عليهم نقله، بل كان الواجب عليهم من الفعل ما يُؤدون به الواجب، وهو أحد هذه الأحرف، فإذا حفظوه ونقلوه فقد فعلوا ما كُلِّفوا به[11].
وقد علَّل ابنُ القيم رحمه الله جمعَ الناس على حرف واحد -وهو أيضًا تعليل حسن للاقتصار على ما يحتمله الرسم منها- حيث قال: (فلما خاف الصحابة رضي الله عنهم على الأمة أن يختلفوا في القرآن، ورأوا أن جمعهم على حرفٍ واحد أَسْلَمُ وأبعدُ من وقوع الاختلاف، فعلوا ذلك، ومنعوا الناس من القراءة بغيره، وهذا كما لو كان للناس عدَّة طرق إلى البيت، وكان سلوكهم في تلك الطرق يُوقعهم في التفرُّق والتشتيت، ويطمع فيهم العدو، فرأى الإمامُ جمعهم على طريق واحد، فترك بقية الطرق- جاز ذلك، ولم يكن فيه إبطال لكون تلك الطرق موصلة إلى المقصود، وإن كان فيه نهي عن سلوكه لمصلحة الأمة)[12].