حجم الخط:

2- معرفة سبب النزول يعين على فهم المراد بالآية:

وتفسيرها التفسير الصحيح، ودفع اللبس والإشكال عن معناها.

قال الواحدي عن أسباب النزول: (هي أوفى ما يجب الوقوف عليها، وأولى ما تُصرَفُ العنايةُ إليها لامتناع معرفة تفسير الآية وقصد سبيلها دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها)[1]، وقال أبو الفتح القُشيري: (بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني الكتاب العزيز)[2]، وقال ابن تيمية رحمه الله: (ومعرفة سبب النزول يُعينُ على فهم الآية؛ فإنَّ العلم بالسبب يُورث العلم بالمسبب، ولهذا كان أصح قولي الفقهاء أنه إذا لم يُعرف ما نواه الحالفُ رجع إلى سبب يَمِينه وما هَيَّجَها وأثارها)[3].

ومن الأمثلة على ذلك:

‌أ) قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ [البقرة: 115]:

فظاهر هذه الآية يدل على أن للإنسان أن يُصَلِّي إلى أية جهة شاء، ولا يجب عليه استقبال القبلة لا في سفر ولا في حضر ولا في فرض ولا في نافلة، وهذا مخالف لما هو معلوم من الأدلة الأخرى في الكتاب والسنة بوجوب التوجه إلى شطر المسجد الحرام، ويزول الإشكالُ إذا عُرِف سببُ نزول هذه الآية كما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: «بعث رسولُ الله سَرِيَّةً كنتُ فيها، فأصابتنا ظلمة فلم نَعرف القبلة، فقالت طائفة منا: قد عرفنا القبلة، هي هاهنا قِبَل الشمال، فصلَّوْا وخَطُّوا خطوطًا، وقال بعضنا: القبلة هاهنا قِبَل الجنوب، فصلَّوْا وخطوا خطوطًا، فلما أصبحوا وطلعت الشمس أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة، فلما قفلنا من سفرنا سألنا النبي عن ذلك، فسكت، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ [البقرة: 115]»[4].

وروى مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «كان رسول الله يُصلي وهو مُقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه، قال: وفيه نزلت: ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ »[5].

وبهذا ندرك أنَّ هذه الآية خاصة بمَن صَلَّى وهو لا يعرف القبلة ثم يتبين له خطؤه، فإنه لا يُعيد الصلاة، وكذا في صلاة النافلة على الراحلة في السفر لا يلزم التوجه إلى القبلة، وبمعرفة سبب النزول زال الإشكال.

‌ب) قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ [البقرة: 158]، فظاهر الآية نفي الجناح عمَّن طاف بالصفا والمروة مع أنَّ الطواف بهما فرض، والتعبير بنفي الإثم لا يدل على الفرضية، وإذا عرف سبب النزول زال الإشكال، فقد كان للمشركين أصنامٌ على الصفا والمروة، وكانوا يطوفون بهما، فلما جاء الإسلام تحَرَّج هؤلاء عن الطواف بهما، فنزلت هذه الآية، وقد روى البخاري عن أنس رضي الله عنه أنه سُئل: أكنتم تَكرهون السعيَ بين الصفا والمروة؟ قال: «نعم؛ لأنها كانت من شعائر الجاهلية، حتى أنزل الله: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ [البقرة: 158]»[6]، فدل سبب النزول على أنَّ المراد بالآية نفي ما وَقَرَ في أذهان بعض الصحابة من التحَرُّج من السعي بين الصفا والمروة والاعتقاد بتحريم ذلك لأنه من عمل الجاهلية؛ فنزلت الآيةُ نافيةً لهذا الإثم ورافعة للتحرج.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة