حجم الخط:

4- إخباره بأن الله يعصمه من الناس:

وذلك أنه إذا علم أن ما جرى له قد جرى للأنبياء السابقين من قبله، وأنهم صبروا، فوطن نفسه على الصبر، واستمر في الدعوة ولم يُصِبْهُ الهم ولا الحزن، لكنه يخشى أن يقتله قومه قبل أن يتم دعوته وهو الحريص عليهم الرحيم بهم؛ فأخبره الله بالعصمة من ذلك: ﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ [المائدة: 67]، فكانت هذه البشرى من أعظم الدوافع إلى الاستمرار في الدعوة.

أرأيتم ذلك الرجل الذي يتردد في فعل أمرٍ ما، فيجدُ مَن يشجعه ويطمئنه بأنه لن يصيبه أي مكروه ولا ضرر، وأنه سيكون معه ويأخذ بيده ويشدُّ أَزْرَه، ولا يزال به حتى يجد الطمأنينة؛ فكيف إذا كانت البُشرى من الله والعصمة من عنده عَزَّ شأنُه؟!

ويجد الرسول أثر هذه البشرى: ﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ في كثيرٍ من الصور والمشاهد:

أ- حين اجتمع صناديد قريش وقبائل العرب عند بابه ليضربوه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمُه في القبائل، فخرج من بين صفوفهم، وجعل فوق رءوسهم التراب ولم يَرَهُ أحد[1]،﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ .

ب- ويذهب مع صاحبه إلى الغار، ويَمر به المشركون يبحثون عنهما، حتى قال أبو بكر رضي الله عنه: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال الرسول : «ما ظنُّك يا أبا بكر باثنين اللهُ ثالثهما؟!»[2]، ومع هذا القُرْب لم يَرَهما أحد، ﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ .

جـ- ويلحق بهما سراقةُ بن مالك ممتطيًا جواده ومعه رمحه، حتى إذا اقترب منهما سَاختْ يَدَا فَرَسِه في الأرض حتى بلغتا الرُّكبتين، وعندما أخرجت يديها إذ لأثرهما عُثان ساطع في السماء مثل الدخان، فأدرك سراقةُ أنه مُنِع عنهما[3]،﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ .

د- ويأكل من شاة مَسمومة أَهْدَتها إليه يهودية؛ فيموت صاحبه وينجو هو من الموت[4]،﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ .

هـ- وحاول اليهودُ قتلَ النبي بإلقاء حجرٍ من جدار كان جالسًا تحته؛ فجاءه الوحيُ بذلك فقام من مجلسه[5]،﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ .

والصور كثيرة والمشاهد عديدة لحفظ الله تعالى لنبيه من محاولات الاغتيال[6]، ولا شك أن هذه البُشرى[7] من الله عز وجل لنبيه ورؤية الرسول لفشل هذه المحاولات من أقوى الدوافع للطمأنينة والاستمرار في الدعوة وتجدد العزم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة