إدراكًا من الرسول ﷺ للأمانة الكبرى التي كُلِّف بها، وهي أن يُبَلِّغَ الناسَ القرآنَ: ﴿ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ۚ ﴾ [الأنعام: 19].
وإدراكًا منه عليه الصلاة والسلام أن تبليغ القرآن يجب أن يكون كما سمعه بلا زيادة ولا نقصان، ولا استبدال لحرف بحرف، أو حركة بحركة؛ لذا فقد كان عليه الصلاة والسلام يشعر بحرجٍ شديد وخوفٍ عظيم أن ينسى شيئًا من القرآن؛ مما جعله يُحَرِّك لسانه بالقرآن لحظة نزول الوحي مع شدة وَطْأَةِ الوحي وما يُعانيه من الجهد والكرب عند نزوله.
وما زال ﷺ كذلك حتى نزل عليه قوله تعالى: ﴿ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ١٦ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ١٧ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ١٨ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ١٩ ﴾ [القيامة: 16-19]، وقال سبحانه: ﴿ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ۖ ﴾ [طه: 114]، فكان ﷺ بعد هذا إذا أتاه الوحيُ أَطْرَقَ، فإذا ذهب جبريلُ وجد الرسولُ ﷺ القرآنَ مجموعًا في صدره كما وعده الله.
وقد حفظ الرسول ﷺ القرآن كلَّه، وحفظه أصحابه، وكان جبريلُ يُعارضه إياه في كل عام مرة في شهر رمضان، وعارضه إياه في العام الذي تُوُفِّي فيه مرتين، كما في حديث عائشة رضي الله عنها، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إنَّ جبريل كان يُعارضني القرآنَ كلَّ سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلَّا حَضَرَ أجلي»[1]، وكان ﷺ يقوم بالقرآن ويتلوه آناء الليل وأطراف النهار حتى كادت أن تتشقق قدماه.