ومن فوائد معرفة أسباب النزول: معرفة أنَّ سبب النزول غير خارج عن حكم الآية إذا ورد مخصِّص لها؛ وبيان ذلك أنَّ اللفظ قد يكون عامًّا، ويقوم دليل على تخصيصه، فلا يجوز إخراج السبب من حكم الآية بالاجتهاد والإجماع؛ لأن دخول السبب قطعي وإخراجه بدليل التخصيص اجتهادي، والاجتهاد ظني، ولا يجوز إخراج القطعيِّ بالظني، ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [النور: 23]، وسبب نزول هذه الآية حادثة الإفك المشهورة، ولفظ الآية عام بالوعيد يشمل التائب وغير التائب، لكن الآية الأخرى استثنت من تاب؛ فقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ٤ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ٥ ﴾ [النور: 4، 5]، فلفظ الآية هنا عام ثم خصص بقوله تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ ﴾، وبهذا التخصيص نُخَصِّص عمومَ الآية الأولى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ ﴾ الآية، لكن التخصيص للآية الأولى لا يشمل سبب نزولها، وهو قذفُ عائشة رضي الله عنها؛ فيَبقى على عمومه بعدم قبول توبة مَن قذفها؛ لأنَّ دخوله في لفظ الآية الأولى العام قطعي، وإخراجه بما ورد في الآية الثانية اجتهادي ظني، والقطعي لا يخرج بالظني.
وبهذا يبقى حكمُ عدم قبول توبة القاذف خاصًّا بقذف عائشة وأمَّهات المؤمنين، ويكون قبول التوبة في قذفِ غيرهن؛ ولذا قال ابنُ عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ ﴾ [النور: 23]: «نزلت في عائشةَ خاصَّة»[1].
وفي حديث آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية: «هذه في عائشة وأزواج النبي ﷺ، ولم يجعل الله لمن فعل ذلك توبة، وجعل لمن رمى امرأة من المؤمنات من غير أزواج النبي ﷺ التوبة، ثم قرأ: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ﴾ إلى قوله: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا ﴾ [النور: 4، 5]»، فجعل لمن قذف امرأة من المؤمنين التوبة، ولم يجعل لمن قذف امرأة من أزواج النبي ﷺ توبة[2].
والخلاصة أنَّ الثانية خَصَّصَت عموم الآية الأولى، إلا سبب النزول فلا تخصِّصُه؛ لأنَّ دخوله قطعي وتخصيصها ظني.